حمدي عبد العالorigins.faith
النص العربي مستخرج آلياً من نسخة ممسوحة؛ قد تقع أخطاء، خاصة في الآيات والحواشي. إن رأيت خطأً فاضغط «أبلغ عن خطأ» في الصفحة. الآراء الواردة في الكتاب آراء المؤلف.

القرآن الكريم

القرآن الكريم

من المعلوم أن الوثائق الدينية للإسلام، تتمثل في القرآن الكريم والسنة التي يعرفها الأصوليون بأنها « ما ثبت عن الرسول ﷺ، وصدر عنه غير القرآن من الأقوال والأفعال والتقريرات والصفات المخلقية مما يصلح أن يكون دليلاً لحكم شرعي » (١٣)، وأن الترتيب بين القرآن والسنة ترتيب قيمي، بمعنى أنه من المسلم به عند المسلمين أن القرآن الكريم تعلو درجته في القيمة والأهمية والثبوت والعصمة والقداسة ومن وجوه عديدة أخرى، درجة السنة، ويهمنا من تلك الوجوه وجهان:

الأول: أن القرآن كلمة الله المباشرة التي أوحى الله بها إلى الرسول ﷺ، بواسطة جبريل عليه السلام لتبليغه إلى الناس، أما السنة الشريفة، فهي كلمة الرسول ﷺ التي استلهم فيها كلمة الله ووحيه وإلهامه.

الوجه الثاني: أن القرآن بإعتباره كلام الله، فإن له قيمته الذاتية التي لا يعتمد فيها على مصدر آخر في عصمته وكماله، أما السنة، فقيمتها وعصمتها نسبية تعتمد فيها على القرآن الذي له القوامة عليها في القبول والرد والعمل والترك وتمييز الملة من النحلة فيها، فالسنة مثلها مثل غيرها من النصوص الدينية الأخرى تحت قوامة القرآن.

من أجل هذا واتساقاً مع منهج البحث وغايته، فسأقتصر الكلام على القرآن الكريم بإعتباره الكتاب المقدس للإسلام، وليس في إفراد القرآن بالكلام، أدنى تقليل من أهمية السنة التي تمثل مع القرآن المصادر الأساسية في التشريع والأخلاق، وإنما لأن هذا ما اقتضته طبيعة البحث والمنهج الذي التزمنا به في معالجته.

(١٣) دراسات في السنة النبوية الشريفة ص ٢٦ - صديق عبدالعظيم - هجر للطباعة والنشر - القاهرة ١٩٨٨ م.

والقرآن الكريم كتاب الإسلام الذي نزل به الوحي الأمين على قلب سيد المرسلين الصادق الأمين محمد ﷺ، المتعبد بتلاوته المتحدي به لفظاً ومعنى، ولم يكن القرآن في حياة الرسول بالشكل الذي نراه عليه اليوم، فقد نزل القرآن منجماً وكان الرسول يتلو ما يتلقاه ويعلمه الناس وفي نفس الوقت يمليه على كتبة الوحي الذين كانوا يكتبونه على أي شئ في متناول أيديهم من ورق أو خشب أو جلد أو صفائح الحجارة والعظام، وبلغ عددهم تسعة وعشرين كاتباً أشهرهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، والزبير بن العوام، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وأبي ابن كعب وزيد بن ثابت، وهكذا توافر على حفظ القرآن منذ نزوله عاملاً.

الحفاظ، وكانوا الكثرة إن لم يكن كل الصحابة. وكتاب الوحي، وكانوا من أفاضل الصحابة.

كما أنه كانت تتم مراجعة سنوية في شهر رمضان بين الرسول وجبريل عليه السلام لما نزل من آيات القرآن وفي العام الأخير راجع جبريل القرآن على النبي ﷺ، مرتين، مما جعل الرسول يتنبأ بقرب أجله فقد روى البخاري عن فاطمة قالت: [ أسرّ إلى النبي ﷺ، أن جبريل يعارضني بالقرآن كل سنة وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي ](١٤).

وبعد وفاة الرسول ﷺ أشار عمر على أبي بكر بإخراج القرآن في شكل جديد يسهل استعماله والرجوع إليه. حيث إن وجوده على هذه الصورة المتفرقة في صحائف متنوعة الشكل والمادة يخشى معه فقدان إحداها، كما أن الحفظة يخشى بمضى الزمن. موتهم أو تفرقهم في مقاصد الجهاد وشئون الحياة، فأقر أبو بكر رأى عمر وعهد بهذه المهمة إلى لجنة من كبار كتاب الوحي والحفظة ووضع على رأسها كاتب الوحي الصحابي الجليل زيد بن ثابت، وعلى الفور قامت اللجنة بمهمتها الجليلة على أسس علمية دقيقة في جمع صحائف القرآن تقضي بألا يؤخذ

(١٤) ج ١ ص ٢٢٧.

بأى مخطوط لا يشهد له شخصان من حفظة الوحى بأنه من إملاء الرسول شخصياً، وأنه جزء من التنزيل في صورته النهائية التى أقرها الرسول ﷺ.

جمع القرآن بهذا الضبط والحرص الشديد وتوافر على جمعه جميع الصحابة ولقى رضاهم وإقرارهم جميعاً. ثم سلم المصحف بعد جمعه وإقراره إلى أبى بكر فحفظه عنده طول خلافته ثم قبل موته عهد به إلى عمر الذى سلمه قبل موته إلى ابنته حفصة أم المؤمنين، لأن الخليفة لم يكن قد تم تعيينه بعد.

هذه هى الرحلة الأولى لجمع القرآن، ولكن في عهد عثمان رضى الله عنه سمع من بقاع مختلفة في الدولة الإسلامية بعض الاختلافات في القراءات، بالإضافة إلى اختلاف اللهجات في القراءة، فشكل عثمان رضى الله عنه لجنة من أربعة من كتاب الوحى وعلى رأسهم زيد بن ثابت رئيس اللجنة الأولى وهو من الأنصار ومعه عبد الله ابن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الله بن هشام من المهاجرين، وكلفهم بنسخ عدد من المصحف المحفوظ عند حفصة بعدد الأمصار الرئيسية في الدولة الإسلامية على أن تكون الكتابة بلسان قريش الذى نزل القرآن به، وبعد أن أتمت اللجنة مهمتها جلدت هذه النسخ وتم إرسالها إلى تلك الأمصار باعتبارها النموذج الوحيد للقرآن الذى أقره الرسول والمسلمون جميعاً منذ عهد أبى بكر رضى الله عنه، وهذا هو المصحف المتداول في العالم الإسلامى منذ عهد عثمان رضى الله عنه وحتى الآن.

وإليكم ما رواه البخارى في باب جمع القرآن، فقد روى عن زيد بن ثابت أنه قال: [ أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضى الله عنه، إن عمر أتانى فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإنى أخشى أن يستمر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القراء، وأنى أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ؟! قال عمر: هذا والله خير فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك ورأيت في ذلك الذى رأى عمر، قال زيد، قال أبو بكر: أنك رجل شاب عاقل لا تنهمك وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فأجمعه فوالله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرنى به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدر أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من

العسب واللخاف وصدور الرجال.. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه.. [ ثم يروى البخاري عن مصحف عثمان: ] إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفرع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان أمير المؤمنين. أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف نسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف بما نسخوا، أمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق [ ١٥ ].

وهكذا توافر للقرآن من عوامل الحفظ سنداً ومتناً ما لم يتوافر للكتب السماوية السابقة مثل التوراة والإنجيل.

القرآن الكريم من إملاء الوحي:

ها قد ثبت أن القرآن الذي بين أيدينا الآن لم ينله تحريف ولا تبديل منذ أملاه الرسول ﷺ وإلى يوم القيامة إن شاء الله، وهذا أمر لم يمار فيه أحد فقد توفر للقرآن من صحة السند واتصاله ما لم يتوفر لكتاب غيره على وجه الإطلاق، حتى الذين جندوا أنفسهم لإثبات عكس ذلك وقاموا بتوثيق القرآن على أعلى مستوى من النقد العلمي، أعجزهم أن يجدوا مدخلاً إلى الطعن في صحة سنده واتصاله بالرسول ﷺ، ولم يجدوا إلا الإقرار بأن القرآن الذي بين أيدينا الآن هو هو القرآن الذي أملاه محمد ﷺ دون زيادة أو نقصان؛ منهم على سبيل المثال لا الحصر: « نولدكة » الذي ألف مؤلفاً ضخماً من عدة أجزاء سماه « تاريخ القرآن » خرج منه بتلك الحقيقة التي أملاها عليه العلم وحده: « إن النص القرآني منذ وجد وحتى الآن على أحسن صورة من الكمال والمطابقة »، و « لويلو » الذي قام بدراسة علمية مقارنة بين الكتب المقدسة يعلن بعدها في

(١٥) البخاري ج ٣ ص ٢٢٥ - ٢٢٦. وانظر سيد الأنام محمد - ابن هشام ص: ٢١.

وضوح وحسم: « إن القرآن هو الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر ».

وأخيراً يقول المستشرق « و. مور »: « أن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا دون أي تحريف، ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة وهذا الاستعمال الجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا والذي يرجع إلى الخليفة المنكوب عثمان الذي مات مقتولاً » (١٦).

ولكن ما يماري فيه ملحد معاند أو مكابر متعصب هو أن يكون القرآن من إملاء الوحي على محمد ابن عبدالله بن عبدالمطلب صلوات الله وسلامه عليه، ورغم أن هذا الأمر قد قامت عليه من الأدلة والشواهد مالا يماري فيها إلا من في قلبه مرض أو تعصب وتلك آفة تعمى البصر والبصائر حتى لا ترى الشمس وهي في كبد السماء لا يحجبها غيم أو ضباب، فإلى هؤلاء نسوق بعض الأدلة لعل الله يهدى الممترين.

وجدل هؤلاء يدور بين احتمالين: إما أن يكون القرآن ثمرة لقريحة محمد الذاتية، أو هو من إملاء معلم من البشر، وهاكم الأدلة على كذب الإدعاءين معاً:

أولاً: شهادة الرسول نفسه: فهو لم يدع شرف أن يكون القرآن ثمرة لقريحته ومن إنشائه الخاص، مع أن هذا الادعاء كان سيخلد ذكره بين العالمين كما أن سيرة الرسول وأخلاقه قبل البعثة وبعدها خير شاهد على صدقه وأمانته فقد عرف بين قومه قبيل البعثة بالاستقامة والأمانة ومكارم الأخلاق حتى لقبه قومه بالأمين، وهذه صفة تجمع كل خصال الخير والمروءة. ثم بعد بعثته ساومه قومه على أن يعدل عما أتى به وله المال حتى يكون أكثرهم مالا والجاه حتى يكون ملكاً عليهم وكل ما يريد من متع الحياة وزينتها فيكون رده: [ والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته ] (١٧). فلو كان يريد بالقرآن زعامة أو مجداً أو مالاً فقد وضع قومه بين يديه كل هذا ولكنه على العكس تحمل في سبيل تبليغ ما أملاه عليه

(١٦) البخاري ج ٣ ص ٢٢٥ - ٢٢٦.

(١٧) مدخل إلى القرآن الكريم ٣٩ - ٤٠ د. محمد عبد الله دراز.

الوحى صنوف من الإيذاء والهوان وتعرضت عشيرته ومن تبعه إلى المقاطعة حتى أكلوا أوراق الشجر الجافة، وأخرج ومن آمن به من أموالهم وأوطانهم، وقاتل حتى كاد أن يقتل، ومع هذا لم تبد منه بادرة ضعف أو تراجع أو مهادنة أو مساومة في سبيل إبلاغ ما كلف به،

ثم يكفى شهادة رجل كان يوم أن أدلى بشهادته من أعتى خصوم النبى وأكثرهم كيداً ودهاء، ذلك الرجل هو أبو سفيان بن حرب عظيم قريش الذى أدلى بشهادته بناء على استجواب منهجى دقيق أجراه معه هرقل عظيم الروم، فقد حدث أنه بعد انتصار هرقل على الفرس سنة ٦٢٨ م أن جاءه وهو في سوريا كتاب الرسول ﷺ يدعوه إلى الإسلام مما أثار دهشته فأمر بإحضار من وجد بسوريا من مواطنى هذا الرسول ليسأله عن أمره، يقول أبو سفيان كما روى البخارى:

[ أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجاراً بالشام في المدة التى كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيليا فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه. فقال أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى؟ فقال: أبو سفيان، فقلت: أنا أقربهم نسباً، فقال: أدنوه منى وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم إنى سائل هذا الرجل فإن كذبنى فكذبوه - يقول أبو سفيان - فو الله لولا الحياء من أن يؤثروا على كذبا لكذبت عنه. ثم كان أول ما سألنى عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟

قلت: هو فينا ذو نسب.

قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟

قلت: لا.

قال: فهل كان من آبائه من ملك؟

قلت: لا.

قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟

فقلت: بل ضعفاؤهم.

قال: أيزيدون أم ينقصون؟

قلت: بل يزيدون.

قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟

قلت: لا.

قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

قلت: لا.

قال: فهل يغدر؟

قلت لا، ونحن منه في مدة لا ندرى ما هو فاعل فيها - ولم تمكني كلمة

أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة -

قال: فهل قاتلتموه؟

قلت: نعم.

قال: فكيف كان قتالكم إياه!

قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه.

قال: ماذا يأمركم؟

قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول

آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.

فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو

نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم

هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت

رجل يأتي بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن

لا، قلت فلو كان من آبائه من ملك، قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك

هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف

أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس

اتبعوه، أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه. وهم أتباع الرسل،

وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون. وكذلك أمر الإيمان

حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن

لا، وكذلك الإيمان حتى تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر؟

فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه

يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم

بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمى

هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أخلص إله

لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ، فإذا فيه « بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبدالله ورسوله إلى

هرقل عظم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإنى أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الإريسين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمية سواء بيننا وبينكم، أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون ».

قال أبو سفيان، فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابى حين أخرجنا لقد أمرَ أمر ابن أبى كبشة إنه يخافه ملك بنى الأصفر، فمازلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام [١٨].

هذا هو محمد الذى دعا إلى كل فضيلة ونهى عن كل رذيلة، كيف يمكن أن يؤسس دعوته على أس الرذائل وهو الكذب، ثم إذا جاز عليه ذلك فلم لم يدع القرآن لنفسه، ولا شك أن هذا الادعاء كان سيخلد ذكره بين العالمين.

ثم بماذا كان يدعو محمد؟ دعونا نتيين هذا من أحد الذين آمنوا به وانخلع من ماله وأهله ووطنه وهاجر فراراً بدينه الذى أقر به محمد.

فقد حدث أنه حين اشتد كيد قريش وإيذائهم لمن آمن بمحمد واعتنق دعوته أن أذن الله للمستضعفين منهم بالهجرة إلى الحبشة، ولما رأت قريش أن المهاجرين قد اطمأنوا فى مهجرهم وأمنوا على دينهم، عقدوا العزم على إرجاعهم قبل أن يستفحل أمرهم وتنتشر دعوتهم فى أفريقيا مما يهدد تجارتهم وصلاتهم معها، فبعثوا عمرو بن العاص، وعبد الله ابن أبى أمية محملين بالهدايا إلى النجاشى ملك الحبشة وحاشيته ليردوا من هاجر إليهم، وحين قابلا الملك، قالا له: أيها الملك أنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم لتردهم عليهم. فقال النجاشى: والله لا أسلم قوماً جاورونى واختارونى على من سواى حتى أسمع منهم، فإن كان قولهما حقاً أسلمتهم وإن كان غير ذلك منعتهم، ثم أمر بإحضارهم جميعاً فلما حضروا قال لهم: ما هذا الدين الذى فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا فى دينى ولا دين أحد من الملل؟!

(١٨) سيرة سيد الأنام محمد - لابن هشام ص ٢١.

فقال جعفر بن أبي طالب، وكان المتكلم عنهم، ملخصاً في إيجاز بليغ ما يدعو إليه محمد ومقارناً في دقة بين ما كان يدين به العرب وما أتى به الإسلام قال: أيها الملك، كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وعفافه، فدعانا لتوحيد الله، وأن لا نشرك به شيئاً، ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام، وأمر بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل ما اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام - وعدد عليه أمور الإسلام - فأمنا به وصدقناه وحرمنا ما حرم علينا وحللنا ما أحل لنا، فتعدى علينا قومنا فعذبونا وفتونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.

فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شئ؟ قال نعم! فقرأ عليه أول سورة مريم فبكى النجاشي وأساقفته: وقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة، انطلقا والله لا أسلمهم إليكما أبداً (١٩).

وإذا نظرنا في رسائل محمد إلى ملوك العالم، ماذا نجد؟ لا نجد إلا دعوة إلى الإسلام والسلام، دعوة إلى الحب والإخاء في الله لا إلى جاه شخص أو سلطان.

إلى هرقل ملك الروم:

[ بسم الله الرحمن الرحيم! من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل السلام على من اتبع الهدى أما بعد:

أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. وإن تتول فإن إثم الإريسيين عليك ].

إلى المقوقس عظيم القبط بمصر:

[ بسم الله الرحمن الرحيم! من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط.

(١٩) باب كيف كان الوحي ج ١ ص ٨ - ٩.

سلام على من اتبع الهدى، إما بعد:

فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [.

إلى النجاشي ملك الحبشة:

[ بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة. سلام أنت، فإنى أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه وأنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذى جاءنى فإنى رسول الله. وقد بعثت إليك ابن عمى جعفراً ونفراً معه من المسلمين فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر فإنى أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحى، والسلام على من اتبع الهدى [.

إلى كسرى ملك الفرس:

[ بسم الله الرحمن الرحيم! من محمد رسول الله إلى كسرى عظم فارس. سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حياً. أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك اسم المجوس [ ٢٠ ].

ثانياً: أمية الرسول:

وهذا أمر لم يمار فيه أحد، فقد كان النبي أمياً في بيئة أمية ويكفى أنها وسمت بالجاهلية حتى أصبحت علماً عليها، فلم يكن بها مؤسسات علمية يمكن أن يتلقى الرسول منها معارف تؤهله أن يأتى بقليل أو كثير مما أتى به القرآن، بل على العكس فإن ما أتى به القرآن كان مبايناً وعلى النقيض مما ساد في بيئته من أخلاق ومعتقدات، كما أن الرسول لا يمكن أن يكون قد تلقى القرآن عن النصارى الوافدين على مكة من الأحباش والروم فهؤلاء كانوا في مكة عبيداً أو

(٢٠) ابن الأنبر ج ٢ ص ٣٢.

حرفيين ولم يكن لهم وزن ثقافي أو اجتماعي، كما أن حاجز اللغة يمنع أن يأخذ الرسول عنهم شيئاً على فرض وجود شئ لديهم، والواقع أن هذا الزعم قد أثاره المعاندون من قريش حين قالوا: ( إنما يعلمه بشر )(٢١)، وحين طولبوا بتعيين هذا المعلم، لم يجرؤوا أن يسندوه لواحد منهم. فقد رأوا أنفسهم أوضح جهلاً من أن يعلموا رجلاً جاءهم بما لم يعرفوا ولا آباؤهم. فلجأوا إلى الهزل حين زعموا أن الذي يملى على محمد القرآن غلام رومى يعمل حداداً بمكة، فكان رد القرآن المفحم:

(٢٢) أَأَذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَأْنٍ عَرِبٍ مِينٌ

ترجم الرسول عليه السلام الأدعاء لسخفه وتهافته، واتجهوا إلى القول بأنه من وحي قوة خارج قوة البشر وطاقاتهم. كالجن والسحر والشياطين، فكان هذا القول اعتراف واقرار منهم بأعجوبة القرآن وخروجه عن طاقة البشر وقرائحهم.

كما أن الرسول لا يمكن أن يكون قد تلقى القرآن عن معلم خارج الجزيرة العربية، لأن رحلاته كما رصدها التاريخ كانت محدودة. وفي شئون التجارة، كما لم يعرف عن محمد قبل بعثته ولعله بالعلم النظري أو الجدل الديني فضلاً عن أن المناخ الثقافي والديني العام داخل الجزيرة العربية وخارجها كان مشيعاً بالوثنية والرذيلة وكل ما هو على طرفي نقيض مع ما بشر به محمد وأتى به القرآن، كما لا يمكن الزعم بأن القرآن كان ثمرة احتكاك محمد بالنصارى أو اليهود أو اطلاعه على كتبهم الدينية مثل التوراة والإنجيل لأن هذا الزعم يقوم على تهافته أكثر من دليل:

١ - الكتب الدينية لليهود والنصارى كانت محرفة تماماً في عهد الرسول وما وجد منها كان مكتوباً إما بالعبرية أو اليونانية أو السريانية، ولم يعرف أن أحداً اعتنى بترجمتها إلى اللغة العربية حيث كان العرب أمة أمية وثنية لا غرض لها في الاطلاع على الثقافات أو الديانات الأخرى، فضلاً عن التباين الواضح بين ما احتواه القرآن وما احتوته الكتب الأخرى لليهود والنصارى وهي جميعاً بين أيدينا الآن.

(٢١) تاريخ الإسلام السياسي ج ١، ١٩٧ - ١٩٩ الدكتور حسن إبراهيم حسن القاهرة ١٩٣٥.

(٢٢) النحل: ١٠٣.

٢ - ولا يمكن أن يكون القرآن كما زعم البعض ثمرة احتكاك الرسول باليهود في المدينة، لأنه من جهة فإن كثيراً من القرآن نزل على النبي في مكة قبل الهجرة ولم يثبت أن الرسول كان على علاقة باليهود في تلك الفترة. ومن جهة أخرى فإن علاقة الرسول باليهود في المدينة كانت علاقة الأستاذ بالتلميذ والمصلح بالمنحرف والحق بالباطل وقد أدانهم وسفه أخلاقهم ومعتقداتهم واتهمهم بالكذب والتحريف والتزوير في كتبهم المقدسة، ومن يتصفح القرآن الكريم يجد أنه يكاد يخصص سور بكاملها للحديث عن أخلاق اليهود وسيرتهم مع أنبيائهم منذ موسى وحتى عيسى عليهما السلام ومن الصعب أن نجد رذيلة لم يصف القرآن بها اليهود وإليكم بعض الآيات التي تتحدث فقط عن سيرة اليهود مع المسلمين في المدينة وتحذر المسلمين من أخلاق اليهود وخبث طويتهم حين يخاطب المسلمين قائلاً:

﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَّمَ آلَّةً ثُمَّ يَحْرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝ وَإِذَا لَقَوْا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواءَ أَمْنًا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ آلَّةً عَلَيْكُمْ لِيَحَاجِوْكُمْ بِهِ عِنْدَرِيكُمْ أَفْلَا تَعْقِلُونَ ۝ (٢٣) ﴾ ﴾

﴿ وَمِنْ أَهْلِ أَلْكَنْبِ ﴾

مَنْ إِنْ تَأْمَنُهُ بِقِنْطَارٍ يُؤْدِهَ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنُهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤْدِهَ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَايَمًا ذَلِكَ بِأَنْهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي أَلْا مِيْشَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى آلَّةِ أَلْكَذْبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝ (٢٤) ﴾

(٢٥) ٤

﴿ وَأَخْذِهُمُ الرِّبْدُ وَقَدْ نَهْوَا عَنْهُ وَأَكْلِهُمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَطْلِ ﴾ ﴾

(٢٣) النحل: ١٠٣. (٢٤) البقرة: ٧٥ - ٧٦. (٢٥) آل عمران: ٧٥.

أيكن بعد هذا أن يكون اليهود نموذجاً يحتذى به محمد، أو أن يكونوا مصدراً لتعاليمه التي أتى بها القرآن الكريم، كما أن أحداً منهم لم يدع أن له فضلاً على محمد فيما تلاه من قرآن، وعلى العكس كانوا من أشد المعاندين وأكثرهم عداوة وحقداً على الرسول ومن آمن به، حتى قال فهم القرآن الكريم:

ج (٢٦)

﴿* لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَّوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ ﴿﴾

كما أن منهم من آمن بمحمد وصدق به رسولاً وبالقرآن وحياً منزلاً، فقد أسلم فريق من علماء بني إسرائيل وشهدوا بصدق محمد بناء على بعض العلامات الموجودة في كتبهم، ومن أشهرهم عبدالله بن سلام الذي يحدثنا البخاري عن ظروف إسلامه فيقول:

[ فلما جاء نبي الله ﷺ - ( أي إلى المدينة ) جاء عبدالله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أنى سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فاسأهم عني قبل أن يعلموا إنى قد أسلمت، فإنهم إن علموا أنى قد أسلمت قالوا في ما ليس في، فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال هم رسول الله ﷺ: يا معشر اليهود ويلكم إتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول الله حقاً وأنى جئتكم بحق فأسلموا. قالوا ما نعلمه؟.. قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشي لله ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا حاشي لله ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشي لله ما كان ليسلم. قال: يا ابن سلام أخرج عليهم. فخرج فقال يا معشر اليهود إتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق، فقالوا كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ ] (٢٧).

٣ - كما أنه لا يمكن الزعم بأن القرآن ثمرة احتكاك محمد بالنصارى حيث كانوا في قاع الرذيلة والضلال وفهم يقول القرآن:

﴿ وَمِنَ الَّذِينَ ﴾

قالوا إِنَّا نَصَرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ فَنُسُوا حَظًا مِمَّا ذُكَرُوا بِهِ فَأَغْرِينَا

(٢٧) - ٢ ص ٣٣٥ باب هجرة النبي ﷺ. (٢٦) النساء: ١٦١.

بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقَيْمَةِ وَسَوْفَ يَنْبِئَهُمُ اللَّهُ بِمَا

كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) (٢٨)

وليس هذا قول القرآن فقط، وإنما هو شهادة علمائهم. ويكفي منها شهادة رجلين من خيرة رجالهم، يقول العالم المسيحي: « ج سال »: إذا قرأنا التاريخ الكنسي بعناية. فسنرى أن العالم المسيحي قد تعرض منذ القرن الثالث لمسخ صورته بسبب أطماع رجال الدين والإنشقاق بينهم والخلافات على أتفه المسائل، والمشاجرات التي لا تنتهى والتي كان الانقسام يتزايد بشأنها، وكان المسيحيون في تحفزهم لإرضاء شهواتهم واستخدام كل أنواع الحبث والحقد والقسوة، قد انتهوا تقريباً إلى طرد المسيحية ذاتها من الوجود » (٢٩).

أما الآخر فهو « تايلور » الذي يقول في كتابه « المسيحية القديمة » ما يلي: « إن ما قابله محمد وأتباعه في كل اتجاه لم يكن إلا خرافات منفرة ووثنية منحطة ومخجلة. ومذاهب كنيسة، وطقوساً دينية منحلة وصبيانية، بحيث شعر العرب ذوو العقول النيرة بأنهم رسل من قبل الله مكلفين بإصلاح ما ألم بالعالم من فساد » (٣٠).

وهذه الشهادة ممن لا يدينون بالإسلام تؤكد صدق على رضي الله عنه في قوله: [ كان أهل الأرض يوم قام الرسول يهدي من الضلالة، ملاءً متفرقة وأهواء منتشرة وطوائف مشتتة، بين مشبه لله بخلقه أو ملحد في اسمه أو مشير إلى غيره، ضلالاً في حيرة، وخابطين في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، واستذلتهم الكبرياء واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، حياري في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل ] (٣١).

وواضح من كل هذا أن الجو العام داخل الجزيرة العربية وخارجها والذي ظهر فيه محمد النبي الأمي معلماً وهادياً ومرشداً إلى الحق والخير بما أوحاه الله إليه، لا يمكن لذي عقل الإدعاء بأن النور الذي أتى به محمد يكون ثمرة لهذا الظلام الذي ساد العالم عقدياً وأخلاقياً.

  • (٢٨) المائدة: ١٤.
  • (٢٩) مدخل إلى القرآن الكريم: ١٣٦.
  • (٣٠) المرجع السابق: ١٣٧.
  • (٣١) الإسلام والحضارة العربية ج ١ ص ١٤.
  • محمد كرد على - لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرة ١٩٦٨.

رابعاً: إعجاز القرآن:

وهو خير شاهد على أن القرآن إلهي المصدر، فالقرآن يستعلى بذاته عن حدود الطاقة البشرية والجنية والملائكية وكل مخلوق.

فمن ذا الذي يعرف من البشر الكون ماهيته وماضيته وحاضره ومستقبله وقوانينه وعلاقاته يبقين. بمثل ما تحدث به القرآن؟!

أنى لبشر أن يعرف الله وصفاته وما يجب وما يستحيل وما يجوز في حقه، والعالم والإنسان وعلاقته بالله وبالكون وما يجب عليه أن يفعل وألا يفعل إن أراد السعادة في الدنيا والآخرة، كما تحدث به القرآن؟!

أنى لبشر أن يخبر بما في باطن الماضي وما في رحم المستقبل بصدق ويقين تام وكأنه يخبر عن مرآة مجلوة تعكس الزمان والمكان وما فيهما كلحظة وآن واحد بمثل ما تحدث به القرآن؟!

أنى لبشر. يتحدث عن النحل والعنكبوت والذباب بنفس العلم والانكشاف الذي يتحدث به عن الشمس والقمر والأرض والنجوم والكواكب وما هو أصغر من هذا وما هو أكبر من هذا، وكأن الكون كله وما فيه ومن فيه أمام علمه كلمة واحدة، بمثل ما تحدث به القرآن؟!

وأنى لبشر أن يعرف الحق من الباطل والخطأ من الصواب والحسن من القبيح ويأتي بتشريع فيه هداية للبشر جميعاً، ليس ليوم أو مكان أو جيل أو عصر، وإنما لكل يوم وكل مكان وكل إنسان، مهيمن على الدهر كله وعلى الناس كلهم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، ودرجاتهم وأقطارهم، ثم يتحدى بهذا التشريع الزمن والمكان والإنسان، فيقول:

﴿ فَمَنْ أَتَبَعَهُ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشِقُ ﴿١٢﴾ ﴾

وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذُكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةٌ ضَكَّا وَتُحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ

أَعْمَى ﴿١٤﴾ (٣٢)

لا أحد من البشر ولا أحد من الجن، ولا البشر جميعاً، ولا الجن جميعاً، ولا هم جميعاً متعاونون متأزرون قادرون على شئ من هذا. وهذا هو الإعجاز والتحدي الذي طرحه القرآن عليهم جميعاً ولا زال الإعجاز والتحدي قائماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها:

﴿ قُلْ لَمْ أَجْنَمَعْتِ أَلْإِنْسُ وَأَلْجُنُ عَلَى أَنْ يَأْتُوا ﴾ (٣٣)

﴿ يَمْثِلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ (٣٤)

﴿ وَإِن كُنْتُمْ ﴾

فِي رَبِّ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَأَدْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِّنْ دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿٣٣﴾ (٣٤)

فالذين يشككون في نسبة القرآن إلى الله عليهم أن يقبلوا التحدي، لعل عجزهم يكون سبباً في هدايتهم إلى الإسلام.

فالذين يشككون في نسبة القرآن إلى الله عليهم أن يقبلوا التحدي، لعل عجزهم يكون سبباً في هدايتهم إلى الإسلام، بل لعل هذا التحدي، هو سبيل من سبيل القرآن ومقصد من مقاصده في الدعوة إلى الإسلامية، لأنه مما يدعو إلى التأمل، أنه ما من عالم مخلص مجرد عن الهوى في طلب الحق، قبل هذه الدعوة في التحدي ونظر في القرآن بمنهج موضوعي، إلا وانتهى به البحث إلى التسليم بعصمة القرآن وقدسيته - عصمته العلمية في موضوع النظر وخلوه من الخطأ والتناقض، وقدسيته في كماله واستعلائه عن قدرات البشر - ولعل من أحدث التجارب المعاصرة في هذا الشأن - تلك التجربة العلمية التي قام بها ذلك العالم الفرنسي المشهور بوريس بوكاي، والذي أنفق معظم عمره وجهده في نوع من هذا النظر العلمي الموضوعي في القرآن الكريم ثم انتهى بعد دراسة نقدية دقيقة للقرآن في مجال بحثه استغرقت ثلاثين سنة (٣٥) إلى تقرير ما يمكن أن يعتبر بحق

(٣٣) الاسراء: ٨٨.

(٣٤) البقرة: ٢٣.

شهادة علمية لا تقبل النقض، وهي أن القرآن لا يمكن أن يكون من تأليف محمد عليه السلام ولا من غيره من البشر وإليكم نص شهادته:

يقول: « القرآن الذي لا يحوي أية يقينية علمية غير مقبولة.. تجعل إفتراض من يرون محمداً كاتباً للقرآن مرفوضاً، إذ كيف يتسير لرجل حرم العلم في نشأته أن يصبح الكاتب الأول في الأدب العربي كله يخبر عن حقائق في النظام العلمي تتجاوز وسع أي كائن إنساني في هذا الزمن ودون أن يكون منه أي خطأ مع ذلك؟! »

إن من المستحيل تصور رجل عاش في القرن السابع الميلادي واستطاع أن يورد في القرآن أفكاراً في موضوعات متنوعة جداً ليست أفكار عصره ستلتقي مع ما سيكشفه الناس منها بعد قرون متأخرة عنه. أما بالنسبة إلى فليس للقرآن أي تفسير بشري « (٣٥).

وإن كان لي من تعقيب على هذه الشهادة الموضوعية، فإنه مع تلك الشهادة القيمة وكثير مثلها من الشهادات، فإن القرآن نفسه سيظل دائماً هو الشاهد الأعظم والأكبر على كماله وإعجازه، وأن من يمعن النظر سيجد أنه ما من أحد يماري في تلك الحقيقة إلا من منطلق أخلاقي وليس من منطلق علمي بأي حال من الأحوال، فهو إما جاهل وتلك رذيلة، وإما متعصب عن هوي وتلك أقبح الرذائل، وسيجد أنه ما من أحد أصاب القرآن أو نال منه بالإنكار أو التشكيك وأن كل من أثار شكوكاً حول القرآن إنما زرع الشك في نفسه هو وقامر على وجوده وسعادته، فما من مصدر خارج القرآن يمكن أن يعتمد عليه الإنسان في تفسيره لنشأته ووظيفته وعلاقاته وغاياته، أو أن يمنحه الثقة واليقين في ماضيه وحاضره ومستقبله ومصيره، أو أن يحرره من الجوع والخوف ويمنحه الأمن والسلام ومن يماري في شئ من ذلك فما عليه إلا أن يسأل التاريخ والجغرافيا أو الزمان والمكان، فإنه إن أحسن السؤال فسيجد أنه لا شئ يعتد به ويعتمد عليه ويوثق به إلا القرآن.

(٣٥) انظر ص ١٠٦ - ١١٨ من كتابه « التوراة والإنجيل والقرآن والعلم - دار الكندي - بيروت

١٩٧٨ م.