إنجيل برنابا
إنجيل برنابا
ربما يعترض الكلام عن هذا الإنجيل، سؤال يثور في النفس، عن الفائدة العلمية أو الغرض من تذييل القول في المسيحية بالحديث عن وثيقة يدور الجدل حولها - نسبة وموضوعاً - فما قيمتها، على الأقل، بالنسبة لطرفين لهما علاقة هامة ومباشرة بالموضوع، وهما: ذلك الذي يسلم بتحريف الديانة المسيحية عن إيمان أو علم، أو ذلك الذي يسلم بصحتها عن إيمان ويقين؟ فهي كوثيقة تثور حولها الشكوك، غير صالحة للطرف الأول كحجة له، ولا للثاني ملزمة له أو حجة عليه.
ورغم ما في هذا السؤال من إشكالية منطقية لها وجه ووجاهة، إلا أنه ربما يكون في التبرير الذي سأسوقه، إجابة مقبولة عن هذا السؤال؛
فالذي دعاني إلى العناية بالحديث عن هذا الإنجيل في ختام الكلام عن المسيحية، رغم تسليمي بأن الجدل حول نسبته إلى برنابا أو إلى الوثائق المسيحية المعتمدة لم يحسم بعد، أمران:
أما الأمر الأول:
فأمر يتعلق بالمنهج الذي التزمته، وهو أنني حين اتخذت القرآن، من منطلق علمي بحت، كما أشرت إليه في التمهيد للبحث، معياراً للنقد والتمييز بين الملة والنحلة في الأديان الثلاثة، اعتبرت أنه من العوامل التي لها تأثير في تقدير القيمة العلمية لأي وثيقة تتصل بتلك الأديان من حيث الخطأ والصواب في النسبة والموضوع أو السند والمتن، هو مقدار اتفاقها أو عدم اتفاقها مع حقائق القرآن الكريم، وبهذا الاعتبار، فإنه إذا كان إنجيل « برنابا » أكثر قرباً من القرآن عن غيره من الوثائق المسيحية الأخرى، فهو عندي أكثر وزناً وقيمة علمية من تلك الوثائق، وهو وإن لم يكن يتميز عنها أو يتفوق عليها في وثاقة السند والنسبة التاريخية، فإنه لا شك يتميز عنها ويتفوق عليها من حيث قيمة المتن واتساقه مع
الحقائق الدينية التي عرضها القرآن، وسيظل له هذا التميز والتفوق حتى يثبت، يقينا أو رجحانا لا شك فيه، عدم صحة نسبته إلى « برنابا » حواري عيسى عليه السلام وعندها فقط يمكن استبعاده كوثيقة مسيحية يعتد بها في التأريخ للمسيحية ملة ونحلة، ومبلغ علمي، أن استبعاد انجيل « برنابا » منذ ظهر وحتى الآن، لا يزال يتم بسلطان الكنيسة وليس بسلطان العلم.
وأما الأمر الثاني
فإنه كما كانت قيمة هذا الإنجيل من حيث نسبته التاريخية، وهو ما يعرف عند العلماء بـ « السند »، لا تختلف في ميزان النقد العلمي، عن نسبة الوثائق المعترف بها من الكنيسة، إذ أن تلك الوثائق لازالت، ومنذ القرن الأول، عرضة للنقد والشك في قيمتها التاريخية في نسبتها إلى المسيح عليه السلام وحوارييه، بل إن الشكوك لتتزايد في قيمتها العلمية - سنداً ومتناً - بإزدياد حركة النقد العلمي والديني وتقدم وسائله عند العلماء من المسيحيين أنفسهم.
ولذا فإن عنايتي بالكلام عن إنجيل برنابا، استثناساً أو استشهاداً، ينبغي أن لا ينظر إليها باعتبارها من قبيل المصادرة على المطلوب أو من قبيل إلزام المخصم بدليل لا يسلم بصحته، وإنما ينبغي أن ينظر إليها من خلال غرضي في إحداث نوع من النقاش في موضوع البحث، أرجو به إثارة نوع من التفكير أكثر إتساقاً ودعوة إلى وقفة أو استراحة للتأمل وإعادة النظر في مسلمات ربما تبين أنها لا تستند على أساس علمي أو منطق ديني صحيح. وهذا الغرض، الذي سبق أن ألحت إليه في صدر الكلام عن المسيحية إذا أضفنا إليه ما قلناه في الأمر الأول، أتصور أنه يكفي، ليكون مبرراً منطقياً ومسوغاً مقبولاً للكلام عن إنجيل « برنابا ».
وبعد، فإنه إذا كانت الجريمة الكاملة لم تُوجد بعد كما يقال، فإنه بالرغم من اجتهاد رجال الكنيسة منذ مؤتمر نيقية في إسحاق كل صوت يعارض ما قد توصلوا إليه من قرارات، ورغم إعدامهم لكل مخالف لهم سواء كان إنساناً أو كتاباً، فان صوت الحق أقوى من صوت الباطل مهما علا.
فقد ظهر إنجيل برنابا ليكون شاهداً على الحق من جهة، وعلى وضع الأناجيل الأخرى وتحريفها من جهة أخرى.
وبرنابا هو أحد الحواريين كما جاء في هذا الإنجيل أو هو أحد رسل المسيح كما ورد في « أعمال الرسل ».
ولقد كان هذا الإنجيل معروفاً في العصور المتقدمة للمسيحية ولكنه كان من الكتب الدينية التي حرمت الكنيسة قراءتها، فقد أصدر البابا جلاسيوس الأول سنة ٤٩٢ م أمراً يعد فيه الكتب المحرمة ومنها إنجيل برنابا.
ولكن مع هذا فقد أمكن لذلك الإنجيل أن ينجو من الهلاك ويتداوله بعض الناس سراً إلى أن استقرت نسخة منه في مكتبة البلاط الملكي في فينا ولا زالت بها حتى الآن.
وقد ترجم هذا الإنجيل إلى العربية في مطلع القرن العشرين الدكتور خليل سعادة، ونشره السيد محمد رضا (٦٥).
تعاليمه:
١ - يسوع أنكر ألوهيته وكونه ابن الله وذلك على مرأى ومسمع من جمهور عظيم.
٢ - الابن الذى عزم إبراهيم على تقديمه ذبيحة الله إنما هو إسماعيل لا إسحق كما يدعى اليهود.
٣ - بشر عيسى عليه السلام برسالة محمد ﷺ، وذكر محمداً باللفظ الصريح في مواضع كثيرة من إنجيله، وقال: إن آدم لما طرد من الجنة رأى سطوراً فوق بابها بأحرف من نور نصها: « لا إله إلا الله محمد رسول الله ».
٤ - أن عيسى لم يصلب وإنما الذى صلب هو يهوذا الخائن.
٥ - أن عيسى أقر الختان وحرم الخنزير.
ويعنينا الآن ذكر ما قاله برنابا في المسائل التي أدخلها بولس في المسيحية وأقرتها الكنيسة كأصول اعتقادية، وهى: عقيدة التثليث أو ألوهية عيسى وعقيدة الصلب أو التكفير، ولعل هذا كان الدافع لبرنابا لكتابة إنجيله، حيث يقول في مقدمة إنجيله:
« أيها الأعزاء، إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن »
(٦٥) انظر مقدمة المحقق والمترجم لإنجيل برنابا - نشر دار القلم ط٢ الكويت ١٩٨٣ م، ففيه مزيد من الضوء والفائدة فيما قلناه تبريراً للحديث عن إنجيل برنابا « المؤلف ».
الله، ورافضين الحنتان الذي أمر الله به دائماً، مجوزين كل لحم نجس، الذين ضل في عدادهم أيضاً بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله، وعليه فاحذروا كل أحد يشركم بتعليم جديد مضاد لما أكتبه لتخلصوا خلاصاً أبدياً (٦٦).
عقيدة التثليث أو القول بألوهية عيسى:
ومن العجيب أن القول بألوهية عيسى ظهر في حياته وقام عيسى بتفنيده وإبطاله وتبرأ من المرجفين به، ووجه العجب أن الأباطيل أو الأساطير الدينية حول الرسول وسيرته، تظهر عادة بعد عصره، أما مع عيسى، فلكونه كان أمراً عجيباً في مولده وفي معجزاته، وفي ختام حياته على الأرض بالإضافة للمناخ الفكري والديني المشبع بالوثنية والأساطير الذي ظهر فيه عيسى عليه السلام، كل هذا صنع من عيسى عليه السلام أسطورة قاومها في حياته، وما لبث أن رفع حتى طغت على القلوب واستعلت على العقول، وأصبح من يقترب منها بالنقد أو المناقشة عرضة للقتل والحرق، أو السخرية والاستهزاء، وكان هذا هو حظ برنابا، رغم أن إنجيله أقرب الأناجيل اتساقاً مع المنطق الديني والعقلي على حد سواء، ولكن هذا هو شأن الأسطورة أو الخرافة حين تغشى البصيرة فترى الباطل حقاً، أو الحق باطلاً.
وإليكم الوقائع كما ذكرها برنابا حول القول بألوهية عيسى والعوامل التي ساعدت على إنتشارها.
١ - معجزات عيسى وأثرها في نشر فكرة ألوهيته:
معلوم أن عيسى عليه السلام أوتي معجزات كثيرة ذكرها القرآن في قوله تعالى:
﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنِي قَدْ جِئْتُكُمْ بِكَايَةَ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِي ﴾
أَخْلَقْ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْفَةِ الطَّيِّرِ فَأَنفُخْ فِيهِ فَيَكُونُ طَيِّرًا أَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾
وَأُبْرِئُ أَلْأُكْمَهَ وَأَلْأُبْرَضَ وَأُحْيَ أَلْمُونَ بِإِذْنِ أَللَّهِ وَأَنْبِئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَخِّرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧)
فكان لهذه المعجزات، التي يتفق فيها القرآن مع الأناجيل الأربعة، أثر في افتتان كثير من الناس بعيسى واعتقادهم بعدم بشريته، ومن النص الآتي يتبين لنا كيف أن عيسى توجس خيفة من أثر هذه المعجزات، يقول برنابا:
« ونزل يسوع في السنة الثانية من وظيفته النبوية من أورشليم وذهب إلى تايبيه، فلما اقترب من باب المدينة كان أهل المدينة يحملون إلى القبر إبناً وحيداً لأمه الأرملة، وكان كل أحد ينوح عليه، فلما وصل يسوع علم الناس أن الذي جاء إنما هو يسوع نبي الجليل، فلذلك تقدموا وتضرعوا إليه لأجل الميت طالبين أن يقيمه لأنه نبي، وفعل تلاميذه كذلك، فخاف يسوع كثيراً ووجه نفسه لله وقال: خذني من العالم يارب لأن العالم مجنون وكادوا يدعونني إلها. ولما قال ذلك بكي » (٦٨).
٢ - الاعتقادات السائدة:
ثم ساعدت الاعتقادات السائدة لدى اليهود والرومان على نشر وتقبل القول بألوهية عيسى يقول برنابا: « كان جيش الرومان في ذلك الوقت في اليهودية، لأن بلادنا كانت خاضعة لهم بسبب خطايا أسلافنا، وكانت عادة الرومان أن يدعوا كل من فعل شيئاً جديداً فيه نفع للشعب إلهاً ويعبدوه فلما كان بعض هؤلاء الجنود في تايبين وبخوا واحداً بعد اخر قائلين: لقد زاركم أحد آلهتكم وأنتم لا تكثرتون؟ حقاً لو زارتنا آلهتنا لأعطيناهم كل ما لنا، وأنتم تنظرون كم نخشى آلهتنا لأننا نعطى تماثيلهم أفضل ما عندنا.
فوسوس الشيطان بهذا الأسلوب من الكلام حتى أثار شغباً بين شعب تايبين لكن يسوع لم يمكث في تايبين بل تحول ليذهب إلى كفر ناحوم، وبلغ الشقاق في تايبين مبلغاً قال معه قوم: إن الذي زارنا إنما هو إلهنا.
وقال آخرون: إن الله لا يرى فلم يره أحد حتى ولا موسى عبده، فليس هو الله بل بالحرى ابن الله.
(٦٧) آل عمران: ٤٩.
(٦٨) ٤٧: ٧٣ - ٧٤.
وقال آخرون: إنه ليس الله ولا إبن الله، لأنه ليس لله جسد فيلد بل هو نبي عظيم من الله »... (٦٩)
« وحدث في هذا الزمن اضطراب عظيم في اليهودية كلها لأجل يسوع لأن الجنود الرومانية أثارت بعمل الشيطان العبرانيين قائلين: إن يسوع هو الله قد جاء لينقذهم، فحدث بسبب ذلك فتنة كبرى حتى أن اليهود كلها تدججت بالسلاح مدة الأربعين يوماً، فقام الابن على الأب والأخ على الأخ لأن فريقاً قال: إن يسوع هو الله قد جاء إلى العالم، وقال فريق آخر كلا هو إبن، وقال آخرون: كلا لأنه ليس لله شبه بشرى ولذلك لا يلد، بل إن يسوع الناصري نبي الله. وقد نشأ هذا عن الآيات العظيمة التي فعلها يسوع » (٧٠).
٣ - عيسى يفند بنفسه دعوى ألوهيته:
« الحق أقول لكم متكلماً من القلب إني أقشعر لأن العالم سيدعوني إلهاً وعلى أن أقدم لأجل هذا حساباً، لعمر الله الذي نفسي واقفة في حضرته إني رجل فان كسائر الناس على أني وإن أقامني الله نبياً على بيت إسرائيل لأجل صحة الضعفاء وإصلاح الخطاة خادم الله وأنتم شهداء على هذا » (٧١).
ثم يردد عيسى على حجج من أهوه بسبب الآيات التي أظهرها الله على يديه فيقول: « إن موسى حول بعضاه البحر دماً، والغبار براغيث، والندى زوبعة، والنور ظلاماً، أرسل الضفاضع والجرذان على مصر فغطت الأرض، وقتل الأبكار وشق البحر وأغرق فيه فرعون، ولم أفعل شيئاً من هذه، وكل يعترف بأن موسى إنما هو الآن رجل ميت.
أوقف يشوع الشمس وشق الأردن، وهما مما أفعله الآن، وكل يعترف بأن يشوع إنما هو الآن رجل ميت.
وأنزل إيليا النار من السماء عياناً وأنزل المطر، وهما مما لم أفعله، وكل يعترف بأن إيليا إنما هو بشر.
(٦٩) ٤٨: ٧٤ - ٧٥.
(٧٠) ٩١: ١٣٩.
(٧١) ٥٢: ٨٢ وانظر المائدة: ١١٥ - ١١٧، وهي الآيات التي تتحدث عن الحساب الذي
سيقدمه عيسى عن هذه الدعوى.
كثيرون آخرون من الأنبياء والأطهار وأخلاء الله فعلوا بقوة الله أشياء لا تبلغ كنها عقول الذين لا يعرفون إلهنا القدير الرحيم المبارك إلى الأبد(٧٢).
« إني أشهد أمام السماء وأشهد كل ساكن على الأرض، أني برئ من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر، لأني مولود من إمرأة وعرضة لحكم الله، أعيش كسائر البشر عرضة للشقاء العام »(٧٣).
عقيدة الصلب والتكفير:
وهذه سنكتفى بإيراد الفصل المختامى لحياة عيسى على الأرض كما أوردها برنابا دون حذف أو إيجاز، حتى نستوعب الصورة الحقيقية لنهاية عيسى وكيف كانت هذه النهاية هى الأخرى سبباً فى فتنة كثير من الناس ولكثير من حوارييه.
فبعد أن ذكر برنابا مؤامرة شيوخ بنى إسرائيل وأحبارهم على قتل عيسى عليه السلام والكيد له لدى السلطة الرومانية واستعدائها عليه، وخيانة تلميذه يهوذا الأسخريوطى الذى قاد الشرطة الرومانية للقبض على عيسى، قال:
« ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذى كان فيه يسوع سمع يسوع دنوجم غفيرة فلذلك أنسحب إلى البيت خائفاً وكان الأحد عشر نياماً فلما رأى الله المخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل وروفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم. فجاء الملائكة الأطهار وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب فحملوه ووضعوه فى السماء الثالثة فى صحبة الملائكة التى تسبح الله إلى الأبد.
ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التى أصعد منها يسوع، وكان التلاميذ كلهم نياماً، فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغير يهوذا فى النطق وفى الوجه فصار شبهاً يسوع حتى إننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا، أنت يا سيد هو معلمنا أنسيتنا الآن. أما هو فقال مبتسماً هل أنتم أغيياء حتى لا تعرفون يهوذا الاسخريوطى وبينما كان يقول هذا دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا لأنه كان شبيهاً يسوع من كل وجه. أما نحن فلما سمعنا قول يهوذا ورأينا جمهور الجنود هربنا كالجانين، ويوحنا الذى كان ملتفاً بملحقة من الكتان استيقظ
(٧٢) ٩٤: ١٤٣ - ١٤٤.
(٧٣) ٩٥: ١٢.
وهرب، ولما أمسكه جندى بملحفة الكتاب ترك ملحفة الكتان وهرب عرياناً، لأن الله سمع دعاء يسوع وخلص الأحد عشر من الشر.
فأخذ الجنود يهوذا وأوثقوه ساخرين منه لأنه أنكر وهو صادق أنه هو يسوع، فقال الجنود مستهزئين به يا سيدى لا تخف لأننا قد أتينا لنجعلك ملكاً على إسرائيل، وإنما أوثقناك لأننا نعلم أنك ترفض المملكة، أجاب يهوذا؛ لعلكم جنتم، إنكم أتيتم بسلاح ومصابيح لتأخذوا يسوع الناصرى كأنه لص، فأتوثقونني أنا الذى أرشدتكم لنجعلونى ملكاً. حينئذ خان الجنود صبرهم وشرعوا يمتهنون يهوذا بضربات ورفسات وقادوه بحنق إلى أورشليم. وتبع يوحنا وبطرس الجنود عن بعد، وأكدا للذى يكتب أنهما شاهداً كل التحرى الذى تحراه بشأن يهوذا رئيس الكهنة ومجلس الفريسيين الذين اجتمعوا ليقتلوا يسوع، فتكلم من ثم يهوذا كلمات جنون كثيرة حتى أن كل واحد أغرق فى الضحك معتقداً أنه بالحقيقة يسوع وأنه يتظاهر بالجنون خوفاً من الموت. لذلك عصب الكتبة عينيه بعصابة وقالوا له مستهزئين، يا يسوع نبى الناصرين [ فإنهم هكذا كانوا يدعون المؤمنين يسوع ] قل لنا من ضربك، ولطموه وبصقوا فى وجهه. ولما أصبح الصباح التام المجلس الكبير للكتبة وشيوخ الشعب، وطلب رئيس الكهنة مع الفريسيين شاهد زور على يهوذا معتقدين أنه يسوع فلم يجدوا مطلبهم، ولماذا أقول أن رؤساء الكهنة اعتقدوا أن يهوذا يسوع، بل إن التلاميذ كلهم مع الذى يكتب اعتقدوا ذلك، بل أكثر من ذلك أن أم يسوع العذراء المسكينة مع أقاربه وأصدقائه اعتقدوا ذلك، حتى إن حزن كل واحد كان يفوق التصديق، لعمر الله إن الذى يكتب نبى كل ما قاله يسوع: من أنه يرفع من العالم وأن شخصاً آخر سيعذب باسمه، وأنه لا يموت إلا وشك نهاية العالم، لذلك ذهب [ الذى يكتب ] مع أم يسوع ومع يوحنا إلى الصليب. فأمر رئيس الكهنة أن يؤتى يسوع موثوقاً أمامهم وسأله عن تلاميذه وعن تعليمه فلم يجب يهوذا بشئ فى الموضوع كأنه جن، حينئذ استحلفه رئيس الكهنة بإله إسرائيل الحى أن يقول له الحق. أجاب يهوذا: لقد قلت لكم أنى يهوذا الأسخر يوطى الذى وعد أن يسلم إلى أيديكم يسوع الناصرى، أما أنتم فلا أدرى بأى حيلة قد جنتم، لأنكم تريدون بكل وسيلة أن أكون أنا يسوع؟! أجاب رئيس الكهنة: أيها الضال المضل لقد ضللت كل إسرائيل بتعليمك وآياتك الكاذبة مبتدئاً من الجليل حتى أورشليم هنا، أفيخيل لك الآن أن تنجو من العقاب الذى تستحقه
والذي أنت أهل له بالتظاهر بالجنون لعمر الله إنك لا تنجو منه، وبعد أن قال هذا أمر خدمه أن يوسعوه لطماً ورفساً لكى يعود عقله إلى رأسه، ولقد أصابه من الاستهزاء على يد خدم رئيس الكهنة ما يفوق التصديق، لأنهم اخترعوا أساليب جديدة بغيرة ليفكهوا المجلس، فألبسوه لباس مشعوذ وأوسعوه ضرباً بأيديهم وأرجلهم حتى أن الكنعانيين أنفسهم لو رأوا ذلك المنظر لتحننوا عليه، ولكن قست قلوب رؤساء الكهنة، والفريسيين وشيوخ الشعب على يسوع إلى حد سروا معه أن يروه معاملاً هذه المعاملة معتقدين أن يهوذا هو بالحقيقة يسوع. ثم قادوه بعد ذلك موثوقاً إلى الوالي الذي كان يحب يسوع سراً، ولما كان يظن أن يهوذا هو يسوع، أدخله غرفته وكلمه سائلاً إياه لأي سبب قد سلمه رؤساء الكهنة والشعب إلى يديه. أجاب يهوذا: لو قلت لك الحق لما صدقتي، لأنك قد تكون مخدوعاً كما خدع الكهنة والفريسيون. أجاب الوالي [ ظاناً أنه أراد أن يتكلم عن الشريعة ]: ألا تعلم أنى لست يهودياً ولكن الكهنة وشيوخ الشعب قد سلموك ليدى، فقل لنا الحق لكى أفعل ما هو عدل، لأن لى سلطاناً أن أطلقك؛ وأن آمر بقتلك. أجاب يهوذا: صدقتي يا سيد إنك إذا أمرت بقتلى ترتكب ظلماً كبيراً لأنك تقتل بريئاً، لأنى أنا يهوذا الأسخريوطى لا يسوع الذي هو ساحر فحولني هكذا بسحره. فلما سمع الوالي هذا تعجب كثيراً حتى أنه طلب أن يطلق سراحه، لذلك خرج الوالي وقال مبتسماً: من جهة واحدة على الأقل لا يستحق هذا الإنسان الموت بل الشفقة، ثم قال الوالي: إن هذا الإنسان يقول إنه ليس يسوع بل يهوذا الذي قاد الجنود ليأخذوا يسوع، ويقول إن يسوع الجليلي قد حوله هكذا بسحره، فإذا كان هذا صدقاً يكون قتله ظلماً كبيراً لأنه يكون بريئاً ولكن إذا كان هو يسوع وينكر أنه هو، فمن المؤكد أنه قد فقد عقله، ويكون من الظلم قتل مجنون. حينئذ صرخ رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب مع الكتبة والفريسيين بصخب قائلين: إنه يسوع الناصري فإننا نعرفه، لأنه لو لم يكن هو المجرم لما أسلمناه ليدك، وليس هو مجنون بل بالحرى خيث لأنه بحيلته هذه يطلب أن ينجو من أيدينا، وإذا نجا تكون الفتنة التي يثيرها شراً من الأولى. أما بيلاطس [ وهو اسم الوالي ] فلكى يتخلص من هذه الدعوى قال: إنه جليلي وهيرودس هو ملك الجليل، فليس من حقى الحكم في هذه الدعوى، فخذوه إلى هيرودس. فقادوا يهوذا إلى هيرودس الذي طالما تمني أن يذهب يسوع إلى بيته، ولكن يسوع لم يرد قط أن يذهب إلى بيته، لأن هيرودس كان من الأمم وعبد الآلهة الباطلة الباطلة عائشاً بحسب عوائد الأمم النجسة،
فلما قيد يهوذا إلى هناك سأله هيرودس عن أشياء كثيرة لم يحسن يهوذا الإجابة عنها منكراً أنه هو يسوع. حينئذ سخر به هيرودس مع بلاطه كله وأمر أن يلبس ثوباً أبيض كما يلبس الحمقي، ورده إلى بيلاطس قائلاً له: لا تقصر في إعطاء العدل بيت إسرائيل، وكتب هيرودس هذا لأن رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين أعطوه مبلغاً كبيراً من النقود. فلم علم الوالي من أحد خدم هيرودس أن الأمر هكذا تظاهر بأنه يريد أن يطلق سراح يهوذا طمعاً في نيل شيء من النقود فأمر عبيده الذين دفع لهم الكتبة نقوداً ليقتلوه أن يجلدوه ولكن الله الذي قدر العواقب أبقى يهوذا للصليب ليكابد ذلك الموت الهائل الذي كان أسلم إليه آخر، فلم يسمح بموت يهوذا تحت الجلد مع أن الجنود جلدوه بشدة سال معها جسمه دماً ولذلك ألبسوه ثوباً قديماً من الأرجوان تهكماً قائلين: يليق بملكنا الجديد أن يلبس حلة ويتوج، فجمعوا شوكاً وصنعوا أكليلاً شبيهاً بأكاليل الذهب والحجارة الكريمة التي يضعها الملوك على رؤوسهم، ووضعوا أكليل الشوك على رأس يهوذا ووضعوا في يده قصبة كصولجان وأجلسوه في مكان عال، ومر من أمامه الجنود حانين رؤوسهم تهكماً مؤدين له السلام كأنه ملك اليهود، وبسطوا أيديهم لينالوا الهبات التي اعتاد إعطاءها الملوك الجدد، فلما لم ينالوا شيئاً ضربوا يهوذا قائلين: كيف تكون إذاً متوجاً أيها الملك إذا كنت لا تهب الجنود والخدم؟ فلما رأى رؤساء الكهنة مع الكتبة والفريسيين أن يهوذا لم يمت من الجلد ولما كانوا يخافون أن يطلق بيلاطس سراحه، أعطوا هبة من النقود للوالي فتناولها وأسلم يهوذا للكتبة والفريسيين كأنه مجرم يستحق الموت، وحكموا بالصلب على لصين معه. فقادوه إلى جبل الجمجمة حيث اعتادوا شنق الجرمين وهناك صلبوه عرياناً مبالغة في تحقيره، ولم يفعل يهوذا شيئاً سوى الصراخ: يا لله لماذا تركتني فإن الجرم قد نجا أما أنا فأموت ظلماً.
الحق أقول إن صوت يهوذا ووجهه وشخصه بلغت من الشبه يسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنه هو يسوع، لذلك خرج بعضهم من تعليم يسوع معتقدين أن يسوع كان نبياً كاذباً، وأنه إنما فعل الآيات التي فعلها بصناعة السحر، لأن يسوع قال: أنه لا يموت إلى وشك انقضاء العالم لأنه سيؤخذ في ذلك الوقت من العالم. فالذين ثبتوا راسخين في تعليم يسوع حاق بهم الحزن إذ رأوا من يموت شبيهاً يسوع كل الشبه حتى أنهم لم يذكروا ما قاله يسوع، وهكذا ذهبوا في صحبة أم يسوع إلى جبل الجمجمة ولم يقتصروا على
حضور موت يهوذا باكين على الدوام، بل حصلوا بواسطة نيقوديموس ويوسف الآثار يماثياني من الوالي على جسد يهوذا ليدفنوه، فأنزلوه من ثم عن الصليب ببكاء لا يصدقه أحد، ودفنوه في القبر الجديد ليوسف بعد أن ضمخوه بمئة رطل من الطيوب.
ورجع كل إلى بيته ومضى الذي يكتب ويوحنا ويعقوب أخوه مع أم يسوع إلى الناصرة. أما التلاميذ الذين لم يخافوا الله فذهبوا ليلاً وسرقوا جسد يهوذا وخبأوه وأشاعوا أن يسوع قام، فحدث بسبب هذا اضطراب فأمر رئيس الكهنة ألا يتكلم أحد عن يسوع الناصري وإلا كان تحت عقوبة الجرم فحصل اضطهاد عظيم فرجم وضرب ونفى من البلاد كثيرون لأنهم لم يلازموا الصمت في هذا الأمر. وبلغ الخبر الناصرة كيف أن يسوع أحد أهالي مدينتهم قام بعد أن مات على الصليب، فضرع الذي يكتب إلى أم يسوع أن ترضى فتكف عن البكاء لأن ابنها قام، فلما سمعت العذراء مريم هذا قالت باكية: لنذهب إلى أورشليم لننشد ابني فإني إذا رأيته مت قريرة العين. فعادت العذراء إلى أورشليم مع الذي يكتب ويعقوب ويوحنا في اليوم الذي صدر فيه أمر رئيس الكهنة. ثم إن العذراء التي كانت تخاف الله أوصت الساكنين معها أن ينسوا ابنها مع أنها عرفت أن أمر رئيس الكهنة ظلم وما كان أشد انفعال كل أحد، والله الذي يبلو قلوب البشر يعلم أننا فينيا بين الأسي على موت يهوذا الذي كنا نحسبه يسوع معلمنا وبين الشوق إلى رؤيته قائماً. وصعد الملائكة الذين كانوا حراساً على مريم إلى السماء الثالثة حيث كان يسوع في صحبة الملائكة وقصوا عليه كل شئ، لذلك ضرع يسوع إلى الله أن يأذن له بأن يرى أمه وتلاميذه فأمر حينئذ الرحمن ملائكته الأربعة المقربين اللذين هم جبريل وميخائيل ورافائيل وأوريل أن يحملوا يسوع إلى بيت أمه، وأن يحرسوه هناك مدة ثلاثة أيام متوالية، وألا يسمحوا لأحد أن يراه خلا الذين آمنوا بتعليمه. فجاء يسوع محفوفاً بالسناء إلى الغرفة التي أقامت فيها مريم العذراء مع أختيها ومرنا ومريم الجدلية والعازر والذي يكتب ويوحنا ويعقوب وبطرس، فخروا من الهلع كأنهم أموات، فأنهض يسوع أمه والآخرين عن الأرض قائلاً: لا تخافوا لأني أنا يسوع ولا تبكوا فاني حي لا ميت، فلبث كل منهم زمناً طويلاً كالخبول لحضور يسوع، لأنهم اعتقدوا اعتقاداً تاماً بأن يسوع مات، فقالت حينئذ العذراء باكية: قل لي يا بني، لما سمع الله بموتك ملحقاً العار بأقربائك أخلائك وملحقاً العار بتعليمك وقد أعطاك قوة على إحياء الموتى فإن كل من يجبك كان كميت.
أجاب يسوع معانقاً أمه: صدقيني ياأماه لأني أقول لك بالحق أني لم أمت قط، لأن الله قد حفظني إلى قرب انقضاء العالم، ولما قال هذا رغب إلى الملائكة الأربعة أن يظهروا ويشهدوا كيف كان الأمر فظهر من ثم الملائكة كأربع شموس متألقة حتى أن كل أحد خر من الهلع ثانية كأنه ميت. فأعطى حينئذ يسوع الملائكة أربع ملاء من كتان ليستروا بها أنفسهم لتتمكن أمه ورفاقها من رؤيتهم وسماعهم يتكلمون، وبعد أن أنهض كل واحد منهم عزاهم قائلا: إن هؤلاء هم سفراء الله جبريل الذي يعلن أسرار الله، وميخائيل الذي يحارب أعداء الله، ورافائيل الذي يقبض أرواح الميتين، وأوريل الذي ينادي إلى دينونة الله في اليوم الآخر. ثم قص الملائكة الأربعة على العذراء كيف أن الله أرسل إلى يسوع وغير صورة يهوذا ليكابد العذاب الذي باع له آخره حينئذ قال الذي يكتب: يا معلم أيجوز لى أن أسألك الآن كما كان يجوز عندما كنت مقيماً معنا؟ أجاب يسوع: سل ما شئت يا برنابا أجبك. فقال حينئذ الذي يكتب: يا معلم إذا كان الله رحيماً فلماذا عذبنا بهذا المقدار بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتاً ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت، وسمح الله أن يقع عليك عار القتل بين اللصوص على جبل الجمجمة وأنت قدوس الله. أجاب يسوع: صدقي يا برنابا إن الله يعاقب على كل خطيئة مهما كانت طفيفة عقاباً عظيماً لأن الله يغضب من الخطيئة، فكذلك لما كانت أمي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معى أحبوني قليلاً حباً عالمياً أراد الله البر أن يعاقب على هذا الحب بالحزن الحاضر حتى لا يعاقب عليه بلهب الجحيم، فلما كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئاً في العالم، أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكي لا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله، وبعد أن تكلم يسوع بهذا قال: إنك لعادل أيها الرب إلهنا لأن لك وحدك الإكرام والجد بدون نهاية.
والتفت يسوع إلى الذي يكتب وقال: يا برنابا عليك أن تكتب إنجيلي حتماً وما حدث في شأني مدة وجودي في العالم، واكتب أيضاً ما حل بيهوذا ليزول انخداع المؤمنين ويصدق كل أحد الحق. حينئذ أجاب الذي يكتب: أني لفاعل ذلك إن شاء الله يا معلم، ولكن لا أعلم ما حدث ليهوذا لأني لم أر كل شئ. أجاب يسوع: ههنا يوحنا وبطرس اللذان قد عاينا كل شئ فهما
يخبر انك بكل ما حدث. ثم أوصانا يسوع أن ندعو تلاميذه المخلصين ليروه، فجمع حينئذ يعقوب ويوحنا التلاميذ السبعة مع نيقوديموس ويوسف وكثيرين آخرين من الإثنين والسبعين وأكلوا مع يسوع، وفي اليوم الثالث قال يسوع: اذهبوا مع أمي إلى جبل الزيتون لانني أصعد من هناك أيضاً إلى السماء وسترون من يحملني. فذهب الجميع خلا خمسة وعشرين من التلاميذ الإثنين والسبعين الذين كانوا قد هربوا إلى دمشق من الخوف. وبينما كان الجميع وقوفاً للصلاة جاء يسوع وقت الظهيرة مع جمع غفير من الملائكة الذين كانوا يسبحون الله، فطاروا فرقاً من سناء وجهه فخروا على وجوههم على الأرض ولكن يسوع أنهضهم وعزاهم قائلاً: لا تخافوا أنا معلمكم، ووبخ كثيرين من الذين اعتقدوا أنه مات وقام قائلاً: أتحسبونني أنا والله كاذبين، لأن الله وهبني أن أعيش حتى قيل انقضاء العالم كما قد قلت لكم، الحق أقول إني لم أمت بل يهوذا الخائن، احذروا لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم، ولكن كونوا شهودي في كل إسرائيل وفي العالم كله لكل الأشياء التي رأيتموها وسمعتموها. وبعد أن قال هذا صلى الله لأجل خلاص المؤمنين وتجديد الخطأة، فلما انتهت الصلاة عانق أمه قائلاً: سلام الله يا أمي، توكلي على الله الذي خلقك وخلقني، وبعد أن قال هذا التفت إلى تلاميذه قائلاً: لتكن نعمة الله ورحمته معكم. ثم حملته الملائكة الأربعة أمام أعينهم إلى السماء.
وبعد أن انطلق يسوع تفرقت التلاميذ في أنحاء إسرائيل والعالم المختلفة أما الحق المكروه من الشيطان فقد اضطهده الباطل كما هي الحال دائماً. فإن فريقاً من الأشرار المدعين أنهم تلاميذ بشروا بأن يسوع مات وآخرون بشروا بأنه مات بالحقيقة ثم قام. وآخرون بشروا ولا يزالون يبشرون بأن يسوع هو ابن الله وقد خدع في عدادهم بولص، وأما نحن فإنما نبشر بما كتبت الذين يخافون الله ليخلصوا في اليوم الأخير لدينونة الله. آمين(٧٤).
هذا هو ما قاله برنابا في عقيدة التثليث والصلب، ونذكركم أخيراً بما يقوله الحق سبحانه وتعالى عن عيسى ومعجزاته:
﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعْيَسَى ابْنُ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ﴾
وَلِدَتْكَ إِذْ أَيَّدَتْكَ بِرُوحِ الْقُدْسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ
عَلَّمْنَكَ الْكِتَابُ وَالْحِكْمَةُ وَالتَّوْرَثَةُ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقَ مِنَ الطَّيِّنِ كَهَيْفَةِ الطَّيِّرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيِّرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَةَ وَالْأَبْرَضَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفَتْ بَنِي إِسْرَاءِ بِلَ عَنْكَ إِذْ جَتْنَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مِينٌ ﴿٧٥﴾
وعن عبوديته يقول تعالى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾
ابْنُ مُرَيْمٍ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَنْبَى إِسْرَاءِ بِلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مِنْ يُشْرِكُ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَثَهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّلِيمِينَ مِنْ أَنْصَارِ ﴿٧٥﴾ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لِيَمْسَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ إِلَيْمٌ ﴿٧٦﴾ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٧٧﴾
مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مُرَيْمٍ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَمْهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلُانِ الطَّعَامِ انظُرْ كَيْفَ نَبِينَ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى
(٧٦)
يُؤْفَكُونُ ﴿٧٨﴾
(٧٥) المائدة: ١١٠
(٧٦) المائدة: ٧٢ - ٧٥
وعن نهايته يقول تعالى:
﴿ وَقُولِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مُرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (فَ) بِلَ رَفْعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (أَ) وَإِنْ مَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مُوتَهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (وَ) (٧٧) ﴾ ﴾
أما عن شهادته يوم القيامة، فيقول تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ ﴾
اللَّهُ يَعْيَسَى ابْنَ مُرْيَمَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأَمِّي إِلَيْهِينَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَيٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلَمْتُهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّكُمْ الْغَيُوبِ (أَ) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمْرَتِنِي بِهِ إِنْ أَعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تُوفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (أَ) إِنْ تُعَدِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ ﴾
وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (١٨) قال الله هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم لهم جنت تجرى من تحتها الانهر خليدين فيها أبداً رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (٨)
﴿ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي ﴾
فيه يمترون (١٩) ماكان لله أن يتخذ من ولد سبحنه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون (٢٠) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صرط مستقيم (٢١)
وبعد، فإنه في ختام القول عن اليهودية والمسيحية فإنه وإن كان القول بزوال عنصر الملة فيها أو على الأقل طغيان عنصر النحلة فيهما، يعتبر قولاً صحيحاً، فإنني أجد من المفيد أن أذكر بما سبق أن أشرت إليه في المقدمة، من أنه مع التسليم بتحريف التوراة والإنجيل وما يترتب على ذلك من سقوط عصمتهما وقد استهما وعدم إمكان تمييز الملة من النحلة فيهما يبقين إلا بالإعتماد على مصدر خارجي ثبتت عصمته، فإنه لا يعني ذلك القطع بتكذيب كل ما ورد بهما جملة وتفصيلاً، لأنه ربما ورد التكذيب على ما قد يكون وحياً أو التصديق بما ليس بوحي، والمنهج الصحيح في موقفنا منهما، هو المنهج الذي رسمه الرسول ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي هريرة، قال « قال رسول الله ﷺ:
« لا تصدقوا أهل الكتاب بما يحدثونكم عن الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، لأن الله تعالى أخبر أنهم كتبوا بأيديهم وقالوا
(٧٨) المائدة: ١١٦ - ١١٩.
(٧٩) مريم: ٣٤ - ٣٦.
هذا من عند الله » وفي رواية أخرى للبخاري عن أبي هريرة أنه قال: « كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرية ويفسرونها لأهل الإسلام بالعربية، فقال رسول الله ﷺ: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد » (٨٠).
وبرواية أبي داود عن أبي نحلة الأنصاري، قال:
« بينما هو جالس عند رسول الله وعنده رجل من اليهود، مُرّ بجنازة فقال: يا محمد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ: الله أعلم، قال اليهودي، إنها تتكلم. فقال رسول الله ﷺ: ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله ورسوله، فإن كان باطلاً لم تصدقوه وإن كان حقاً لم تكذبوه » (٨١).
(٨٠) البخاري ج٨ ص ١٢٩ كتاب تفسير سورة البقرة وانظر كذلك كتاب الإعصام وكتاب التوحيد. (٨١) جامع الأصول في أحاديث الرسول - لابن الأثير - تحقيق عبدالقادر الأرناؤوطي، ج١٠ ص ١٩٨ - دار البيان بيروت ١٩٧٢ م.