المسيحية كما وضعتها الكنيسة
المسيحية كما وضعتها الكنيسة عقائد وشعائر
المسيحية لا تتضمن أحكاماً تشريعية، وإنما أهم ما فيها هو اعتقادهم في عيسى عليه السلام، ولذلك علينا الآن أن نتبع نشأة تلك العقيدة وتطورها من خلال الجماع الكنسية التي هي الواضع الحقيقي للدين المسيحي كما قلنا.
ونحن لا نجاوز الصواب إذا قلنا إن المسيحية بوضعها الراهن، دين وضعي وليس إلهي. من حيث استقرارها على عقائد وشعائر تنفرد بها ليس عن الإسلام، الذي جاء به موسى وعيسى فحسب، وإنما حتى عن اليهودية والمسيحية كما نراها الآن في التوراة والأناجيل الأربعة « فالحقيقة التي لا جدال فيها هي أن الكنيسة لم تتمكن من الانتصار خلال القرن الرابع إلا بفضل انهزام الإيمان الأول الذي يمكن أن نسميه إيمان الاثنا عشر » (١).
أما العقائد:
فتتمثل في ركنين:
الأول: ألوهية عيسى أو عقيدة التثليث:
كان المسيحيون الأول، يعتقدون في عيسى الاعتقاد الصحيح، من أنه عبدالله ورسوله، أرسله الله لهداية بني إسرائيل. ولكن بعد رفع المسيح بفترة قصيرة، ولطبيعة حياة المسيح نفسها، والأمور الخارقة للعادة في مولده ونهايته وما ظهر على يديه من معجزات، أثارت الجدل حول طبيعته. وقد أثار هذا الجدل وانحرف به، عناصر دخيلة استغلت هذه الطبيعة الفريدة لعيسى عليه السلام، وبثت أفكاراً غريبة واعتقادات باطلة وزينت للناس اعتناقها، حتى انتهت المسيحية إلى دين يختلف كلية عما كان يدين به المسيحيون الأوائل.
وأول من قال بألوهية المسيح، رجل يدعى ( شاءول ) سمي فيما بعد القديس ( بولس )، كان يهودياً شديد العداء للمسيحية ممعنا في إضطهاد
(١) المسيحية - نشأتها وتطورها ص ١٩٠.
المسيحيين والتحريض عليهم، ولكنه فجأة غير دينه وحاله، واعتنق المسيحية سنة ٣٨ م.
ولنعرض نبذة عن حياته، مما قاله عنه لوقا في أعمال الرسل، يتضح لنا منها، كيف كانت كراهيته الشديدة وعداوته السافرة للمسيح ودعوته، يقول: ( وأما شاءول، فكان يسطو على الكنيسة، ويدخل اليوت، ويجد رجالاً ونساء ويسلمهم إلى السجن ) (٥٢).
أما عن تحوله المفاجئ ودخوله المسيحية، معلناً القول بألوهية عيسى عليه السلام وإدعائه أن هذا القول موحاً به إليه، فيقول لوقا:
( أما شاءول فكان لم يزل ينفث تشدداً، وقتلاً على تلاميذ الرب فتقدم إلى رئيس الكهنة، وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات، حتى إذا وجد أناساً من الطريق رجالاً أو نساء يسوقهم موثقين إلى أورشليم.
وفي ذهابه حدث أنه لما اقترب إلى دمشق، فبغته أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض، وسمع صوتاً قائلاً له: شاءول، شاءول، لماذا تضطهدني؟!
فقال من أنت يا سيد؟
فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده..
فقال وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل؟
فقال له الرب: قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل..
فنهض شاءول عن الأرض وكان هو مفتوح العينين لا يبصر أحداً،
فاقتادوه وأدخلوه إلى دمشق وكان ثلاثة أيام لا يبصر فلم يأكل ولم يشرب.
وكان في دمشق تلميذ اسمه حنانيا... فقال له الرب: قم واذهب إلى
الزقاق.. واطلب في بيت يهوذا رجلاً طرسوسياً اسمه شاءول لأنه هوذا يصلى.
فأجاب حنانيا: يا رب قد سمعت من كثيرين عن هذا الرجل كم من الشرور فعل بقديسك في أورشليم.
فقال له الرب: إذهب لأن هذا لى إناء مختار ليحمل إسمى أمام أمم
(٥٢) أعمال الرسل الإصحاح ٨.
وملوك بنى إسرائيل..
فمضى حنانيا ودخل البيت ووضع عليه يديه، وقال: أيها الأخ شاءول قد أرسلني الرب يسوع الذي ظهر لك في الطريق.. فللوقت وقع من عينيه شئ كأنه قشور فأبصر في الحال..
وكان شاءول مع التلاميذ في دمشق أياماً وللوقت جعل يكرز في الجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله (٥٣).
هذه هي نبذة عن ( شاءول ) أو القديس ( بولس ) كما رواها لوقا.
ويروى الباحثون والمؤرخون، أن بولس كان على جانب كبير من الذكاء، كما كان شديد الاهتمام بدراسة الأديان والفلسفات القديمة، ونقل إلى المسيحية كثيراً منها، وعلم الناس أن عيسى لم يكن المسيح الموعود فحسب، بل إنه ابن الله نزل إلى الأرض، ليقدم نفسه قرباناً يصلب تكفيراً عن خطيئة البشر، التي ارتكبها أبوهم آدم، فموته كان تضحية عظيمة من إله عظيم، لخلاص البشرية.
وراح القديس بولس، يقرب إلى عقول تلاميذه مذهبه، فضرب لهم المثل بالاعتقادات المصرية القديمة، وأن شأن عيسى كشأن « أوزوريس » كان رباً مات ليبعث حياً من جديد ويمنح الناس المخلود.
وهكذا دخل بولس المسيحية وأصبح معلماً لها، بل يعتبر في نظر الباحثين الغربيين هو المؤسس الحقيقي للمسيحية بوضعها الراهن (٥٤).
وبولس نفسه يدعى أن ما يبشر به وما ينادى به، ليس من عند نفسه أو من عند غيره من الناس، وإنما تلقاه وحياً من يسوع المسيح، وهو بهذا يقطع الطريق أمام أي اعتراض أو مناقشة لما يقول.
يقول: ( وأعرفكم أيها الأخوة، الإنحيل الذي بشرت به، أنه ليس بحسب إنسان، لأني لم أقبله من عند إنسان، ولا علمته، بل بإعلان يسوع المسيح ) (٥٥).
(٥٣) أعمال الرسل الإصحاح ٩.
(٥٤) مقارنة الأديان المسيحية - ٩٠.
(٥٥) إلى أهل غلاطية الأصحاح ١.
ويقول عن نفسه: ( بولس رسول، لا من الناس ولا بانسان، بل يسوع المسيح ) (٥٦).
ومن خلال هذه العصمة، أو الصلة الإلهية التي أسبغها بولس على نفسه، أدخل في المسيحية أربع عقائد رئيسية كانت هي الأساس الذي أخذت به المجامع الكنسية وقررتها، كعقيدة نهائية للمسيحيين فيما بعد، وتلك العقائد هي:
١ - المسيحية ليست ديناً لليهود فحسب، بل هي دين عالمي.
٢ - القول بالتثليث، الأب والابن وروح القدس إله واحد، أي القول بألوهية المسيح.
٣ - القول بأن صلب عيسى كان تكفيراً عن خطيئة البشر..
٤ - إن عيسى هو الذي سيحاسب البشر يوم القيامة « فقد قام من الأموات بعد صلبه بثلاثة أيام وصعد إلى السماء ليجلس عن يمين أبيه كما كان من قبل، ليحكم بين البشر يوم القيامة » (٥٧).
ومما ساعد على نشر أفكار بولس، وعقائده بين الناس واعتناق المسيحيين لها عاملان:
العامل الأول:
سبب نفسي يتصل ببولس نفسه، فقد أعلن اعتناقه المسيحية، بعد أن كان من أشد المعارضين لها، فكان لهذا رد فعل أنعش آمال المسيحيين المضطهدين، في انتصار دعوتهم وخلاصهم، وهذا العامل النفسي، مع ما تمتع به بولس من ذكاء ودهاء، ساعد إلى حد كبير على قبول أفكاره وانتشار دعوته وأصبح بمثابة القوة الدافعة لمذهبه إلى تسيد المذاهب الأخرى في وجدان الجماهير.
العامل الثاني:
الاضطهادات التي التهمت كثيراً من مراجع المسيحية الأصلية وقضت على المسيحيين الحقيقيين عقب رفع عيسى، واستمرار هذا الاضطهاد بعنف على يد اليهود وأباطرة الروم، جعل الناس يصدقون الخرافات التي تنعش آمالهم وتشد من عزائمهم، ويتقبلون الموت والتعذيب أسوة بابن الله الذي صلب فداء للبشر.
(٥٦) إلى أهل غلاطية الأصحاح ١.
(٥٧) انظر مقارنة الأديان - المسيحية ٩٥.
وعلينا الآن الإشارة إلى أهم تلك الجماع التي قننت المسيحية وأعطتها شرعيتها الدينية، من حيث كتبها وطقوسها وشعائرها:
مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م:
في خلال هذه القرون من الاضطهادات التي بلغت ذروتها في عصر الأمبراطور « دقلدس ياقوس » ٢٨٤ - ٣٠٥ م والذي يسميه المسيحيون عصر ( الشهداء )، لكثرة ما سفك فيه من دماء مسيحية، وما صاحب ذلك من خلافات دينية بين المسيحيين أنفسهم، بما بثه بولس من أفكار ومعتقدات في المسيح، أفقدت المسيحية أصولها الصحيحة وطابعها، ودخل عليها كثير من أفكار فلسفية وخرافات شعبية على حد سواء، انتهت بها إلى خليط من التناقضات والخرافات، خصوصاً حول طبيعة المسيح، ومن ثم تعددت فيه الأقوال والمذاهب.
فمن يقول: إنه إنسان كسائر الناس، ورسول كسائر الرسل. ومن يقول أنه إله أو ابن إله، أو هو الاثنين معاً.
فخشيت الكنيسة أن تودي هذه الاختلافات، بالمسيحية نفسها؛ خصوصاً بعد أن أصبحت دين الدولة الرومانية في عهد قسطنطين، الذي اعتنق المسيحية كما يقول بها بولس، والذي خشي على تفكك الامبراطورية بسبب هذه الخلافات. من أجل هذا جمع قسطنطين البطاركة والأساقفة، فيما يسمي بمجمع ( نيقية ) سنة ٣٢٥ م لوضع عقيدة موحدة يدين بها المسيحيون جميعاً.
اجتمع الجمع أول مرة، وكان عدد المجتمعين ٢٠٤٨ عضواً، يمثلون الكنائس ورجال الدين في شتى أنحاء الأمبراطورية.
ثم أخذوا يناقشون الاعتقادات والآراء المختلفة في المسيح وخصوصاً ما أعلنه أريوس المصري من أن الأب وحده هو الله وأن الابن مصنوع الله. وما لبث أن انقسم الجمع على نفسه، بين مؤيد ومعارض لمقالة أريوس، ولم يستطع التوصل إلى قرار موحد في طبيعة المسيح. فقرر الامبراطور، أن يفرض بنفسه عقيدة التثليث التي يؤمن بها، وفي سبيل ذلك عمد إلى قتل أريوس وكثير من مؤيديه داخل الجمع ونفى الباقين ثم دعا إلى مؤتمر آخر في نفس المكان وفي نفس العام لم يحضره إلا القائلون بالتثليث وألوهية المسيح وكان عددهم ٣١٨ عضواً (٥٨).
(٥٨) المرجع السابق ١٦٨ - ١٧٠.
وانتهوا إلى قرارهم، الذى يعتبر أساس العقيدة المسيحية حتى اليوم وهذا هو نص القرار.
( نؤمن بالله الواحد: الأب، مالك كل شئ، وصانع ما يرى ومالا يرى، وبالابن الواحد، يسوع المسيح، ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، الذى ولد من أبيه قبل العوالم كلها، وليس بمصنوع.
إله حق، من جوهر أبيه الذى بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شئ من أجلنا.
ومن أجل معشر الناس، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنساناً، وحبل به، وولد من مريم البتول، وقتل وصلب أيام فيلاطوس. ودفن.
ثم قام فى اليوم الثالث، وصعد إلى السماء وجلس على يمين أبيه؛ وهو مستعد للمبجئ تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء؛ ونؤمن بروح القدس الواحد، روح الحق الذى يخرج من أبيه؛ وبمعمودية واحدة، لغفران الخطايا: وبمجاعة واحدة قدسية مسيحية؛ وبقيام أبداننا وبالحياة الدائمة أبد الآبدين(٥٩).
بهذا القرار، أصبح المسيح إله عند المسيحيين أو ابن إله، وأصبحت العقيدة المسيحية تقوم على فكرة الأقانيم الثلاثة أو التثليث.
ثم توالت بعد ذلك المجامع لتقرر أصولاً اعتقادية فى المسيح ورجال الكنيسة مثل:
مجمع روما سنة ٨٦٩ م:
وقد قرر:
١ - الروح القدس منبثق من الأب والإبن.
٢ - من يريد المحاكمة فى أمر يتعلق بالدين، يرفع دعواه إلى كنيسة روما.
٣ - المسيحيون فى جميع أنحاء العالم يخضعون لقرارات رئيس كنيسة روما.
(٥٩) الملل والنحل ١/٢٠٤.
مجمع القسطنطينية سنة ٨٧٩:
وفيه تقرر أن انبثاق الروح القدس هو من الأب فقط وليس من الإبن، فاعتبر هذا مخالفاً لمجمع روما السابق وخروجاً على كنيسة روما.
وبهذا المجمع انقسمت الكنيسة إلى غريبة، وشرقية، وأصبح لكل واحدة مجمعها الخاص بها، والذي لا يعترف بقرارات المجمع الآخر.
مجمع روما سنة ١٢٢٥:
الذي قرر أن الكنيسة تملك الغفران وتمنحه من تشاء.
ثم مجمع روما سنة ١٨٦٩:
وفيه تقرر أن البابا معصوم من الخطأ وله حق التشريع، وأن كل ما يصدر عنه لا يمكن مخالفته والمخالف له كافر وملعون.
ولقد استندت الكنيسة في تقرير هذه السلطة لها، على بعض النصوص الدينية التي تزعم أن المسيح قد أعطى القدرة لتلاميذه، على إتيان المعجزات، ثم ورثت هذه القدرة لرجال الدين بعدهم، كما أن نزول الوحي لم ينقطع برفع عيسى وإنما هو متصل بتلاميذه وأتباعهم إلى ما شاء الله.
وأول من غرس هذه الفكرة وروجها في الفكر المسيحي هو بولس كما رأينا، والمتصفح للأناجيل الأربعة وما في أسفار العهد الجديد وخصوصاً أعمال الرسل ورسل بولس، يجد فكرة الملاك الذي يرشد المؤمنين ويتصل بهم والمعجزات التي ظهرت على أيدي تلاميذ المسيح، تتردد كثيراً وبالحاج عجيب.
فرجال الدين أو الكنيسة عند المسيحيين لهم نفس القداسة والعصمة التي ليسوع المسيح، ومن هنا كان الخروج على طاعة الكنيسة ورجالها كفر بالمسيح والمسيحية.
كما أن فكرة اتصال الوحي ونزوله على أتباع عيسى، المبرر الذي يعتمد عليه المسيحيون في الأخذ بالعهد الجديد، واعتقاد ما فيه، رغم أنهم جميعاً يعترفون أنه ليس من وضع عيسى ولا املائه، وإنما هو من وضع تلاميذه.
أما الركن الثاني: فهو الصلب والفداء:
وفيه يقول المسيحيون إن من صفات الله: العدل، والرحمة.
وبصفة العدل: كان على الله أن يعاقب البشر بذنب أبيهم آدم الذي عصى وأكل من الشجرة المحرمة، فطرد من الجنة مغضوباً عليه، وذريته من بعده بسبب هذه الخطيئة.
وبصفة الرحمة: أراد الله أن يغفر لآدم وذريته هذه الخطيئة. ولم يكن من طريق للجمع بين الإرادتين، أو الصفتين - العدل، والرحمة - إلا بتوسط ابن الله ووحيده؛ فأظهره في صورة إنسان يعيش عيشة الإنسان، ثم يصلب ظلماً ليكفر عن خطيئة البشر أو قام هو نفسه بهذه المهمة في قول آخر.
وهذا نص ما ورد في العهد الجديد: ( وإن ابن الإنسان قد جاء ليخلص ما قد هلك: فبمحبته ورحمته قد صنع طريقاً للخلاص؛ لهذا كان المسيح هو الذي يكفر عن خطايا العالم، وهو الوسيط الذي وفق بين محبة الله تعالى وبين عدله ورحمته.
إذ أن مقتضى العدل، أن الناس كانوا يستمرون في الابتعاد عن الله بسبب ما اقترف أبوهم. ولكن باقتران العدل والرحمة وبتوسط الإبن الوحيد، وقبوله التكفير عن خطايا الخلق، قرب الناس من الرب بعد الابتعاد ( ٦٠ ).
وجاء في إثميل يوحنا الاصحاح الثالث قوله: ( أحب العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم ).
وهنا يبرز سؤال لابد منه: كيف يمكن غفران خطيئة آدم الذي عصى الله، بخطيئة آدم الذي قتل ابن الله؟! أو كيف يمكن أن تغفر خطيئة الأكل من الشجرة، بخطيئة أبشع منها، وهى قتل ابن آدم لابن الله؟!
ثم إذا كان جوهر دعوة المسيح هو: الله محبة، والتسامح إلى حد إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فأدر له الأيسر. أليس من الأجدر بينبوع المحبة والتسامح، أن يغفر لآدم وذريته، دون اللجوء إلى اختبارهم القاسي هذا،
( ٦٠ ) مقارنة الأديان المسيحية - ١٣٥ - ١٣٦.
وإيقاعهم في خطيئة لا يمكن تكفيرها، لأنه كيف يستحق من يقتل ابن الله أي تسامح أو مغفرة؟!
هذه هي العقيدة المسيحية كما وضعتها الكنيسة وكما يعتنقها المسيحيون اليوم، ونحمد الله تعالى أن هدانا إلى الإسلام.
أما الشعائر:
فهي طقوس لا ترقى في أهميتها إلى الأصول الاعتقادية التي سبق ذكرها، فهي تفترق عنها، من حيث أن الشخص لا يكون مسيحياً إلا بعد إيمانه بتلك الأصول، أما الشعائر فالفرد يكون مسيحياً ولو لم يقم بها، وإن كان يعتبر عاصياً أو مذنباً، وأهم تلك الشعائر كما وضعتها الكنيسة هي:
التعميد:
والتعميد شعيرة أخذها المسيحيون عن اليهود، فقد ورد في إنجيل يوحنا - الاصحاح الأول أن يوحنا كان يعمد الناس في نهر الأردن، كما أنه هو الذي عمد المسيح عليه السلام، ولهذا سمي « يوحنا المعمدان » وكان يكفي للشخص الشهادة بأن عيسى المصلوب هو المسيح مات تكفيراً وقام تكفيراً عن خطايا البشر وسيعود ليقضي بين الأحياء والأموات وينشئ مملكة الله، ثم بعد الاقرار يعمد بالغطس في الماء ثلاث مرات بمساعدة أخ له في الإيمان، ثم تطورت هذه الشعيرة مع تطور النظام الكنسي، فأصبحت تتم بطقوس وأدعية وقرابين معقدة.
والتعميد لابد منه لكل مسيحي، يقوم به كاهن الكنيسة التي يتبعها المعمد ولا يقوم بها غير الكاهن إلا عند الضرورة، وحينئذ يسمى ( تعميد الضرورة ). وهو عندهم فريضة مقدسة تؤدى إلى تطهير النفس وبراءتها من الخطيئة، ودليل على إيمان المعمد وطاعته للأب والإبن وروح القدس، كالهه ومعبوده الوحيد. وصورته، أن يقوم الكاهن برش الماء على جبهة المعمد، أو غمس جزء من جسمه، أو كل جسمه في الماء، ثلاث مرات، الأولى باسم الأب، والثانية باسم الإبن والثالثة باسم الروح القدس وعلى إجراء اللمس باليد الذي يصاحبه المس بالزيت المقدس.
أما وقته، فلم يتفق المسيحيون فيما بينهم عليه، فبعضهم يرى أن وقته الطفولة، وبعضهم يرى أنه واجب موسع، بمعنى أنه يصح القيام به في أي وقت من حياة الشخص، وبعضهم يرى أنه يحسن أداؤه عند الاحتضار، بحجة أن
التعميد يزيل السيئات ويمحو الخطايا، فيحسن أن يتم آخر الحياة، حيث لا تقع ذنوب بعده(٦١).
القربان أو التناول
بدأت هذه الشعيرة باجتماع بين الإخوان على أكل كسرات الخبز كتعبير عن الأخوة الإيمانية، ثم تطورت إلى أن أصبحت رمزاً له طقوسه الفلسفية المعقدة، يتناول فيه المتدينون في جو من الترانيم والصلوات حول مائدة عليها خبز وخمر تمثلان المسيح ودمه يتناولها المجتمعون بغرض امتزاجهم الجسدي والروحي بالمسيح، أما بالنسبة للافراد من المؤمنين فيتم على صورة تناول الفرد من يد الكاهن قطعة من الخبز وقليل من الماء أو الخمر. ويرمز به إلى عشاء عيسى الأخير مع تلاميذه، كما وردت به الأناجيل، إذ أعطاهم خبزاً وخمراً، الخبز رمز إلى جسد المسيح الذي كسر فداء للبشرية عن خطيئتها الأولى، أما الخمر فرمز إلى دمه المسفوح من أجل هذا الغرض.
وهذا التناول إذا أخذه الشخص من يد كاهنه، استحال الخبز والخمر في جسد المتناول إلى جسد المسيح ودمه، فيحصل امتزاج بين الآكل وبين المسيح وتعاليمه.
وقد اعتمد المسيحيون في تقرير هذه الشعيرة، على الأناجيل الأربعة: فقد جاء في إنجيل يوحنا - الاصحاح [ ٥٣/٦ - ٥٥ ]، قوله:
( فقال يسوع: الحق، الحق أقول لكم: إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان، وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم، من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير.. من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه، كما أرسلني الأب الحي، وأنا حي بالأب، فمن يأكلني فهو يحيا بي ).
وجاء في إنجيل متى [ ٢٠/٦ - ٢٩ ] عن الليلة الأخيرة للمسيح قوله: « ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر... وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر، وأعطى التلاميذ وقال: خذو وكلوا هذا هو جسدي. وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: اشربو منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي
(٦١) المسيحية نشأتها وتطورها ص ٤٨، ١٥٣.
للعهد الجديد، الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا، وأقول لكم: إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا، إلى ذلك اليوم حيثا أشرب معكم جديداً في ملكوت أبي.
وجاء في إنجيل لوقا - الاصحاح [ ١٩/٢٢ - ٢٠ ]، قوله عن المسيح: ( وأخذ خبزاً وشكر وكسر وأعطاهم قائلاً: هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم، اصنعوا هذا لذكرى؛ وكذلك الكأس أيضاً بعد العشاء، قائلاً: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك عنكم ).
كذلك ورد في إنجيل مرقس [ ٢٢/١٤ - ٢٤ ] ما نصه: ( وفيما هم يأكلون أخذ يسوع خبزاً وبارك وكسر وأعطاهم، وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي، ثم أخذ الكأس وشكر وأعطاهم فشربوا منه كلهم، وقال لهم: هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يسفك من أجل كثيرين ).
هذه هي شعيرة التناول كما يعتنقها المسيحيون، ولعل « بولس » هو الواضع الأول لتلك الشعيرة كما وضع غيرها، فقد جاء في رسالة لأهل كورنثوس ما يلي:
( إن الرب يسوع في الليلة التي أسلم فيها، أخذ خبزاً وشكر، فكسر وقال: خذوا وكلوا، هذا هو جسدي المكسور لأجلكم، اصنعوا الذكرى، وكذلك أعطاهم قليلاً من الخمر، وقال: خذوا واشربوا، هذا هو دمي المسفوك لأجلكم؛ وإنكم كلما أكلتم هذا الخبز، وشربتم هذا الكأس، تخبرون بموت الرب حتى يعود ) ( ٦٢ ).
الصليب وحمله:
وقد ورد ذكر الصليب وحمله في إنجيل لوقا [ ٢٣/٩ - ٢٤ ]:
[ وقال للجميع إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه، ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني؛ فإن من أراد أن يخلص نفسه بهلكها، ومن يهلك نفسه من أجلي؛ فهذا يخلصها ].
من هنا جاء تقديس الصليب والتبرك بحمله، عند المسيحيين، وكرمز
( ٦٢ ) وانظر في تطور تلك الشعرة المرجع السابق ١٥٩ - ١٦٠.
على الاقتداء بالمسيح عليه السلام، الذي حمل الصليب الذي صلب عليه، وكتعبير عن الاستهانة بالحياة والاستعداد للتضحية حتى الموت صلباً.
كما أنه مما يزيد الصليب قداسة، أنه الأداة التي شد عليها جسد المسيح حتى الموت، من أجل خلاص الإنسان، فهو الرمز الذي يذكر كل مسيحي؛ كيف تألم المسيح وضحى من أجل خلاصه.
الاعتراف والتوبة:
وهي الشعيرة التي قررها مجمع روما الذي سبق ذكره فإنه يلزم على المسيحي، الذي يريد التوبة من ذنوبه، وحتى تقبل توبته، يجب عليه أولاً الاعتراف بكل ذنوبه أمام كاهن، بشرط ألا يخفى عنه شيئاً منها، بعد ذلك يقبل الكاهن توبته ويمنحه غفران الرب، فيصبح كيوم ولدته أمه.
وتعود أصول هذه الشعيرة إلى مذهب بولس في أن الإيمان بالهية المسيح وصلبه، وليس العمل بالناموس، هو الأصل في استحقاق الخلاص، وهذه هي النغمة الرئيسية في رسائله، ففي رسالته إلى أهل غلاطية يقول: [ ٢١/٢ ] « إن كان بالناموس برُّ فالمسيح إذا مات بلا سبب »، و [ ١٣/٣ ] « المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة »، « ٢٤/٣ - ٢٧ ] « كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكى نتبرر بالإيمان، ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب، لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع لأنكم كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح »، [ ٤/٤ - ٥ ] « أرسل الله إبنه مولوداً تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس ».
ومن جهة أخرى فإن السلطة الروحية التي أعطيت للكهنة استمراراً للسلطة التي أعطاها المسيح لبطرس الحوارى: « وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات وكل ما تحمله على الأرض يكون محلولاً في السموات » (٦٣). أعطى ذلك سلطاناً واسعاً للكهنة ورجال الذين على الناس في التشريع والقبول والحرمان، وقد كانت هذه الشعيرة لغرابتها وسوء استغلالها سبباً في ثورة عالم اللاهوت الألماني ( مارتن لوثر ) في القرن السادس عشر، فاتخذ من صكوك الغفران مبرراً للخروج على بابا روما،
(٦٣) متى: ١٩/١٦.
وتأسيس طائفة ( البروتستانت ) الذين أنشأوا كنيسة خاصة بهم عرفت بالكنيسة الإنجيلية.
وقد أصبحت تلك الصكوك، ورقة رابحة في يد الكنيسة « فما على البابا أو الكاهن، حين يعوزه المال لأي غرض كان، إلا طبع عدد منها، تطرح للبيع كالأسهم والسندات، ويترك بالصك فراغ، يكتب فيه إسم من يريد استبدال كل ذنوبه، ما تقدم منها وما تأخر، بهذا الصك العجيب ».
وقد أدرك كثير من علماء اللاهوت في المسيحية، منذ القرن الخامس عشر، ما هذه الشعيرة من خطر أخلاق واجتماعي، فما هي إلا تفويض لمن يحصل عليها، بارتكاب ما يشاء من الآثام، وكأن الكنيسة تقرر بهذه الصكوك، أنه لا تضر مع الصك معصية، كما لا تنفع مع الحرمان منه، طاعة.
وحتى يتضح لكم، الأثر الخطير الذي يمكن أن تحدثه هذه الشعيرة في الفرد والمجتمع، إليكم نص صك الغفران:
( ربنيا يسوع المسيح، يرحمك يا... ] يترك فراغ يكتب فيه اسم الذي يشتريه ] ويحلك باستحقاقات الامه الكلية القدسية؛ وأنا بالسلطان الرسولي المعطى لي، أحلك من جميع القصاصات والأحكام، والطائلات الكنسية التي استوجبتها. وأيضاً من جميع الأفراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتها، مهما كانت عظيمة وفظيعة؛ ومن كل علة، وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس البابا، والكرسي الرسولي؛ وأنحو جميع أقدار الذنب، وكل علامات الملامة التي ربما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة: وأرفع القصاصات التي كنت تلتزم بمكابدتها في المطر، وأردك حديثاً إلى الشركة في أسرار الكنيسة، وأقرنك في شركة القديسين؛ أردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانا لك عند معمودتك، حتى إنه في ساعة الموت، يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب ويفتح الباب الذي يؤدي إلى فردوس الفرح؛ وإن لم تمت سنين مستطيلة، فهذه النعمة تبقى غير متغيرة، حتى تأتي ساعتك الأخيرة، باسم الأب، والابن، وروح القدس ] (٦٠).
(٦٤) مقارنة الأديان المسيحية ص ١٤٦.