مدخل تاريخي
الفصل الثالث
الإسلام
مدخل تاريخي
قبل الكلام عن الإسلام، يجدر بنا أن نتعرف بإيجاز على البيئة التي بزغ فيها نجم الإسلام.
لم يكن للجزيرة العربية مهد الرسالة. قبل الإسلام وزن حضاري أو اقتصادي اللهم إلا أهميتها كطريق للتجارة بين الشرق والغرب ووقوعها بين أعظم دولتين في هذا الوقت هما الفرس شرقاً والروم غرباً.
والجزيرة العربية منطقة شاسعة تقع في الجنوب الغربي من آسيا، يحيط بها الماء من ثلاث جهات، البحر الأحمر غرباً، والمحيط الهندي جنوباً، والخليج العربي وبحر عمان شرقاً، ويحدها ثمالاً بادية الشام.
ليس فيها أنهار دائمة الجريان، ولكن أودية يجري فيها الماء حيناً ويجف حيناً، وسطها صحراء شاسعة بها قليل من الآبار والعيون، وأماكن الخصب فيها كجزر متباعدة في بحر من الرمال، والسير فيها شاق عسير لطبيعة أرضها الوعرة، وأغلب سكانها من البلد الرحل الذين يعتمدون في معيشتهم على ماشيتهم وأهمها الإبل، وتعيش ماشيتهم على الكلاً الذي ينبت على الأمطار الشتوية القليلة، ومن هنا كان للمطر أثر كبير على حياتهم الاجتماعية والسياسية، فما أن يقل المطر وتجدب الأرض من الكلاً حتى يشتد بهم الضيق والقلق ويندفعون إلى السلب والنهب، فتغير القبائل القوية على القبائل الضعيفة، ثم يغير الأقوياء بعضهم على بعض، وقد ينتهي بهم الأمر إلى أن تحارب بطون القبيلة بعضها بعضاً في صراع مميت من أجل الحياة، وفي هذا يقول شاعرهم:
وأحياناً على بكر أحينا إذا لم نجد إلا أخاناً
وكان لهذه الطبيعة القاسية أثرها في العمران والسياسة والحضارة، فمن حيث العمران كان قليل الانتشار يتركز على أطراف الجزيرة في اليمن جنوباً وتخومها الملاصقة للفرس شرقاً والروم غرباً وبعض قرى متناثرة في وسطها أهمها
مكة والطائف ويثرب التى سميت فيما بعد بالمدينة، وكان لهذا أثره في انعدام الوحدة السياسية بين سكانها حيث كانت القبيلة هي الأساس الذي يرتكز عليه نظامهم الاجتماعي والسياسي، فوطنية البدوي وطنية قبلية لا وطنية جغرافية لا يؤمن ولا يدين إلا بتراث قبيلته وتقاليدها وعقائدها، مثله الأعلى التعصب لقبيلته والمفاخرة بأجمادها، ولما كانت القبائل في نزاع وحروب مستمرة كما كانوا لا يقرون في مكان واحد لم يتح لهم هذا الشكل الاجتماعي إقامة وحدة سياسية أو إقامة حضارة، كما كان لهذا أثره في الحركة العلمية والثقافية حيث كانت الأمية هي السمة الغالبة على السكان، ويكفي أن نعلم أن الرسول ﷺ بعث ولم يكن بمكة وهي أعظم مركز أدبي وتجاري وسط الجزيرة العربية أكثر من سبعة عشر ممن يعرفون القراءة والكتابة، أما من حيث الديانة، فالوثنية كانت السائدة في وسط الجزيرة، أما اليهودية والنصرانية فقد اقتصر وجودهما على حواف الجزيرة ولم يكن في وسطها إلا مستعمرة يهودية في يثرب أقامها اليهود الفارين من بطش الرومان، ولما كان اليهود منغلقين على أنفسهم ينظرون إلى العرب نظرة استعلاء كما يخبرنا القرآن على لسانهم قولهم:
﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأَمِيَّتِينَ سَبِيلٌ ﴾ (١)
فقد حال هذا الانغلاق والاستعلاء من انتشار اليهودية بين العرب، أما النصرانية فكانت منقسمة على نفسها بين فرق متناحرة يكفر بعضها بعضاً، ولم يتحمس العرب للدخول فيها لأنها كانت معقدة غير مفهومة من العربي الذي يميل إلى البساطة والتحرر.
كانت المسيحية في ذلك الزمان بما تحويه من تعقيدات، وبما فيها من عقيدة التثليث وما يتصل بذلك من رب مصلوب قليلة الجاذبية بعيدة عن التأثير في نفس العربي. وهكذا فلم تصادف المسيحية هوى في نفوس العرب إلا قليل منهم على أطراف الجزيرة العربية.
يبقى أن نشير إلى علاقة العرب بالأمم المجاورة من الفرس والروم، فنجد أن كلا الدولتين لم يكن لهما مطمع في تلك الجزيرة القاحلة، ولم يكن يعنيهما إلا تأمين حدودهما من غارات السلب والنهب التي يشنها البدو، فعمد الفرس والروم
(١) آل عمران: ٧٥.
إلى مساعدة بعض القبائل المجاورة لحدودهما على الاستقرار ليكونوا درءاً لهم ضد غارات البدو، فتكونت إمارة الحيرة على نهر الفرات يدينون للفرس بالولاء والطاعة، وقد تأثروا بعقيدة الفرس وحضارتهم، وتكونت في الشام على تخوم الرومان إمارة الغساسنة، وقد تأثروا أيضاً بحضارة الروم وعقائدهم، وقد كانت علاقة الحيرة وغسان انعكاساً لعلاقة العداء والحروب المستمرة بين الفرس والروم.
هذه بإيجاز ملامح الصورة العامة للعرب قبل ظهور الإسلام قصدنا بها التنبيه إلى الأثر الذي أحدثه الإسلام في العرب وفي العالم كله.
معنى الإسلام:
والإسلام لغة: الطاعة والانقياد؛
وعرفا: خص بالدين المنزل على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم رسول الله، وخاتم رسله وأنبيائه، لتبليغه للناس كافة. أما كتابه فهو القرآن، وهو خاتم الأديان، قال تعالى:
﴿ الْيَوْمَ اكْمَلَتْ لَكُمْ دِينُكُمْ ﴾
وَأَتَمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمْ الْإِسْلَامِ دِينًا ﴿٢﴾
﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ ﴿٣﴾
نبذة عن رسول الإسلام
وأما رسوله، فهو محمد ﷺ الذي ينتمي إلى أسرة عريقة بمكة المكرمة، من قبيلة قريش والتي كان لها السيادة والشرف بين قبائل العرب، لوجود الكعبة المشرفة، وهي بيت العرب المقدس في الجاهلية والإسلام، في كنفها ورعايتها، والبطن الذي ينتمي إليه الرسول ﷺ من بطون قريش هو فرع بني هاشم الذي
(٢) المائدة: ٣.
(٣) آل عمران: ٨٥.
امتاز على بطون قريش بمكانته الأدبية الرفيعة لما اختص به من خدمة الكعبة ورعايتها، ويتصل نسب الرسول ﷺ بإسماعيل ابن إبراهيم عليهم جميعاً الصلاة والسلام.
ولد رسول الله ﷺ يوم الإثنين من الأسبوع الثاني من شهر ربيع الأول من السنة التي حدثت فيها الغزوة الفاشلة لأبرهة أمير اليمن على الكعبة المشرفة ويسمى عام الفيل، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَٰبِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَبِدُهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيَهِمْ يَحْجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّا كُولِمٍ (٤) ﴾ ﴾
وهذا العام يوافق في أكثر الأقوال وثوقاً سنة ٥٧١ م. نشأ الرسول ﷺ يتيماً فقيراً، مات أبوه عبد الله قبل مولده بسبعة شهور ولم يترك له شيئاً يذكر، وعن هذه النشأة يقول القرآن
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَنْيَمًا فَعَاوَى (٥) ﴾ ﴾
، وقد قضى
طفولته المبكرة منذ مولده وحتى الرابعة من عمره في حضانة مرضعة تدعى حليمة السعدية من قبيلة بني سعد ببادية خارج مكة على عادة أشراف العرب في تربية أبنائهم. ثم تولت أمه حضانته لكنه لم يستمتع طويلاً بحنان الأمومة فقد ماتت أمه وهو في السادسة من عمره فكفله جده عبد المطلب الذي لم يلبث أن مات والرسول ﷺ لم يتجاوز الثامنة من عمره، فانتقل إلى بيت عمه عبد مناف الملقب بأبي طالب الذي أنزله من نفسه منزلة أعز أبنائه.
ويحدثنا التاريخ أن أول رحلة للنبي ﷺ خارج مكة، كانت بصحبة عمه أبي طالب في رحلته إلى الشام للتجارة سنة ٥٨٢ م، ولم يبلغ الثانية عشر من
(٤) الفيل كاملة.
(٥) الضحى: ٦.
عمره. وفي تلك الرحلة وقعت تلك الحادثة المشهورة التي كان فيها أول تنبؤ بمستقبل محمد ﷺ، فقد رآه ناسك مسيحي يدعى بحيرا ووجد فيه السمات المنصوص عليها في الكتب المقدسة أنها لنبي يبعث في آخر الزمان، ولهذا كان كثير من النساك والرهبان يترصدون ظهوره، سواء في ذلك اليهود أو النصارى حيث بشرت التوراة والإنجيل به ﷺ وفي هذا يقول القرآن:
﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ ﴾
﴿ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعَنْهُ اللَّهُ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾ (٦)
لما تأكد بحيرة أن هذا هو النبي المنتظر طلب من أبي طالب أن يعود بابن أخيه سريعاً من حيث أتى وحذره من التراخي قائلاً له: إن هذا الصبي سيقوم بدور عظيم في العالم أجمع وسيكون له شأن وأي شأن فارجع به على عجل وأسهر عليه من اليهود الذين قد يؤذونه لو علموا منه ما أعلم، ولم يلبث أبو طالب أن أخذ بنصيحة الراهب وقفل راجعاً بابن أخيه خوفاً عليه وحرصاً.
ولم يرو التاريخ لنا رحلات أخرى للرسول خارج مكة إلى قبيل زواجه السيدة خديجة رضى الله عنها، فقد قضى تلك الفترة يعمل في رعى الأغنام ويساعد عمه في أمر معيشته الذي لم يكن ميسور الحال لكثرة عياله.
ومما روى عن سيرة الرسول ﷺ قبل البعثة أنه كانت له سمات شخصية وأخلاقية رفيعة جعلت منه فتى متميزاً بين أقرانه من فتيان قريش، فلم يلج ما يلجون فيه من لهو ومجون وتنابذ بالألقاب والأحساب وغير ذلك من الأخلاق التي كانت من مميزات التكوين الطبقي والاجتماعي بمكة، بل تميز بصفات وأخلاق خاصة حبيبت فيه الناس وجعلته موضع تقدير واحترام الجميع بمكة، فلقبوه بالأمين. وهناك حادثة يرويها المؤرخون لها دلالتها على مكانة محمد ﷺ في نفوس أشراف مكة وسادتها، فقد حدث أنه لما بلغ الرسول الخامسة والثلاثين من عمره أن جددت قريش بناء الكعبة، ولما كانت الكعبة بمثابة المعبد المقدس للعرب جميعاً، فقد حرصت القبائل على شرف الاشتراك في ترميمها، ولما بلغ العمل إعادة الحجر الأسود مكانه وقع الخلاف بينهم، فكل قبيلة تريد الاستثنار بهذا
(٦) البقرة: ٨٩.
الشرف، وتدارك الشيوخ الأمر قبل أن تسيل الدماء أنهاراً، واتفقوا على تحكيم أول داخل من باب شيبة المعروف الآن بباب السلام، ولقد شاءت الأقدار أن يكون محمد ﷺ، وما أن رآه المختصمون حتى صاحوا جميعاً في فرح ورضا، الأمين.. الأمين.. رضيناه حكماً، وكان حقاً الأمين الحكيم حيث أسرع ببسط ردائه ووضع بيده الشريفة الحجر الأسود عليه، ثم طلب من رؤساء القبائل أن يمسك كل منهم بطرف الثوب وأن يرفعوه معاً إلى المستوى المطلوب، وعندما وصلوا بالحجر إلى المكان المخصص له أخذ محمد ﷺ الحجر ووضعه مكانه، وهكذا حقن محمد بفطنته وحنكته دماء الناس وحقق السلام بين القبائل، كما نال حكمه الرضا والقبول من الجميع مما يؤكد لنا قدر محمد ومكانته عند قريش قبل بعثته عليه السلام.
ومما له دلالته في هذا الشأن، زواج الرسول ﷺ بالسيدة خديجة وهي من أشرف نساء قريش وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وظلت خديجة زوجته الوحيدة طيلة حياتها، وأنجب منها ولدين هما القاسم وعبد الله وأربع بنات هن زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وقد توفوا جميعاً في حياته ما عدا فاطمة التي توفيت بعده بعدة شهور، ولم ينجب الرسول غيرهم سوى إبراهيم من مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس عظيم القبط بمصر بعد الهجرة إلى المدينة، وقد توفي إبراهيم صغيراً في حياة الرسول.
ظهر على الرسول قبل بعثته عزوفه عن الاندماج في الحياة الاجتماعية ونزوعه إلى الهدوء والتأمل كما لفت إليه الأنظار بصدق الرؤيا فلا يحدث أحداً برؤيا رآها في نومه إلا تحققت بمثل ما حدث به دقة ووضوحاً وكأنه يطالع في نومه صحف الغيب، وقبيل بعثته ظهر عليه الميل إلى البعد عن صخب الحياة ومشاغلها والخلوة بنفسه، واختار مكاناً في جبل حراء شمال مكة، يقضى فيه ساعات أو أيام، وفي ليلة باردة ساكنة سكون الصحراء التي تلف مكة، وقد بلغ الرسول من عمره أربعين عاماً وبينما هو في غار حراء يجول بفكره صفحة الكون، حدث أول اتصال له مع ما وراء الكون، وكان أول وحى تلقاه من السماء ( إقراً... ) (٧) وكان لهذه التجربة وقع شديد على محمد هز كيانه هزاً عنيفاً، فلم يلبث بعد أن فصل عنه الوحى، أن عاد مسرعاً فزعاً إلى زوجته التي هالها اضطرابه حتى حسبته مريضاً فلفته في الفراش كما أراد، وبعد أن هدأ روعه قص
(٧) الفلق: ١.
عليها ما حدث مبدياً مخاوفه أن يكون هذا مس من الجن أو الشيطان فقالت له خديجة مهدئة ومواسية: « كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الدهر »، وهذا من خديجة تلخيص مركز لصفات النبي التي اشتهر بها قبل بعثته، لهذا فلا يمكن أن تكون نفس النبي مما يقبل إغواء الشيطان ووسوسته ولكن غرابة الأمر جعلها تذهب بالرسول إلى ابن عمها ورقة بن نوفل المتنسك على دين النصرانية لعل عنده ما يفسر لهما ما حدث فلما سمع من الرسول ﷺ، قال: « يا محمد، هذا هو الناموس الذي نزل على موسى يا ليتى فيها جزعا، ليتى أكون حيا، إذ يخرجك قومك.
فقال الرسول ﷺ: أو مخرجي هم؟!
قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وأن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً ».
وقد وثق لنا البخاري تلك الفترة قبيل البعثة من حياة الرسول الروحية والفكرية فيروى عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أنها قالت:
أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات العدد - قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: إقرأ قال ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: إقرأ قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم.
فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضى الله عنها فقال: زملوني: فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر، لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى ابن عم خديجة. وكان إمرأ تنصر في الجاهلية.. وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة، يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة، هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتى فيها جذعاً، ليتى أكون حياً إذ يخرجك قومك. فقال الرسول ﷺ: أو مخرجي هم؟! قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي (٨).
بعد هذا الحدث العظيم فتر الوحي عن الرسول ﷺ حتى ملكه الحزن والياس وداخله الشك والقلق، وفي هذا الجو النفسي الذي بلغ بالنبي حد محاولة إلقاء نفسه من قمة حراء جاءته الجرعة الثانية التي لم تكن إلا نداء له بالاستعداد لتلقى النبأ العظيم فنزلت عليه آيات متتابعات:
﴿ مَا أَنْتَ يَنْعَمَةَ رَبِّكَ يَمْجَنُونَ ﴾ (٩)
﴿ مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ (١٠)
﴿ يَتَابَهَا الْمَزْمِلُ ﴾ قَمِ الْبَلِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ نِصْفَهُ - أَوِ انْقَصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴾ (١١)
﴿ أَوْ زِدْعَلْيَهِ وَرَبِّلِ الْقُرَءَانَ تَرْتِيلًا ﴾ إِنَّا سَلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا نَقِيلًا ﴾ (١١)
وهيأ الرسول نفسه كما أمر في انتظار القول الثقيل حتى أتاه التكليف النهائي بالدعوة وقد شارف عامه الرابع والأربعين سنة ٦١٢ م حين جاءه الأمر بالتبليغ في قوله تعالى:
﴿ يَتَابَهَا الْمَدْيُرُ ﴾ قَمْ فَانْذِرْ ﴾ وَرَبُّكَ فَكَبِّرْ ﴾ (١٢)
(٨) صحيح البخاري ج ١ ص ٦ - ٧ باب كيف بدأ الوحي.
(٩) القلم: ٢.
(١١) المزمل: ١ - ٥.
(١٢) المدثر: ١ - ٢.
(١٠) الضحى: ٣.
وهكذا بدأت دعوة الرسول إلى الإسلام كدين عالمي للناس كافة إلى يوم الدين. وفي هذا المقام فإليكم مثلاً آخر على مكانة الرسول في أهل مكة، وأخلاقه الكريمة التي عرفت عنه بينهم حتى لقبوه بالصادق الأمين، وهو لقب يجمع كل خصال الخير والشرف، فيروى أنه حين أمر النبي ﷺ بالجهر بالدعوة بعد أن دامت سراً ثلاث سنين، دعا بطون قريش من فوق جبل الصفا بظاهر مكة، فلما اجتمعت إليه قال: « يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبدالمطلب، يا بني عبد مناف... أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم. أكنتم مصدق؟ قالوا نعم! ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ».
ويعتبر هذا التاريخ سنة ٦١٢ م نقطة انطلاق الإسلام، ويكون تاريخ الهجرة ٦٢٢ م منصفاً زمن الأمر بالتبليغ إلى قسمين متساويين تقريباً، منها عشر سنوات في مكة ومثلها بالمدينة حيث توفي الرسول ﷺ في ١٢ أو ١٣ ربيع الأول سنة ١١ هـ، ٧ أو ٨ يونيو سنة ٦٣٢ م عن ثلاث وستين سنة قمرية أو أكثر قليلاً من واحد وستين سنة شمسية إذا روعى الفرق بين السنة القمرية والسنة الشمسية وهو أحد عشر يوماً تقريباً (١٢).
هذه لمحة موجزة عن حياة الرسول خاتم الرسل والأنبياء ورسول الإسلام خاتم الأديان والرسالات محمد بن عبد الله ﷺ.
(١٢) انظر ابن الأنبير ج ٢ ص ٢٣، وسير ابن هشام - دار النفائس، والمدخل إلى القرآن الكريم ٢١ - ٣٣ - محمد عبد الله دراز - دار القلم - الكويت ١٩٧١ م.