بنو إسرائيل في سيناء
« بنى إسرائيل » فى سيناء:
وأهم الأحداث التى وقعت لهم فيها أخذاً من القرآن الكريم، والتوراة، يمكن إجمالها فيما يلى:
أولاً: نزول التوراة:
نزلت التوراة على موسى، وفيها الوصايا التى يجب على الإسرائيليين اتباعها سواء فيما يتصل بالله، أو فيما بينهم، أو فيما يتصل بعلاقتهم بالآخرين.
ثانياً: تنظيم موسى للشعب الإسرائيلي:
١ - أقام موسى عليه السلام من سبط اللاويين كهاناً لخدمة الهيكل المقدس، وقصر عليهم حق تفسير الشريعة والقوانين الإلهية، وحرم عليهم الاشتراك فى الحكم أو تكوين ممتلكات خاصة، ليتفرغوا تماماً لخدمة الشريعة، وفى مقابل ذلك أعفاهم من الخدمة العسكرية، كما حمل باقى الأسباط مسئولية إعالتهم وسد احتياجاتهم المعيشية، وقد عين هارون عليه السلام رئيساً للكهنة على أن تستمر الرئاسة فى نسله.
وقد أعطى هذا الاختيار، مكانة أدبية ونفوذاً روحياً واحتراماً عظيماً لهذا السبط فى نفوس الشعب الإسرائيلي.
٢ - أقام موسى عليه السلام من باقى الأسباط جيشاً لحماية الدعوة والجهاد فى سبيل الأرض التى وعدهم الله بها، وقد فرض الجهاد على الذكور من سن العشرين إلى سن الستين، ثم عين يوشع بن نون، وهو من سبط يوسف عليه السلام قائداً لجيش الفتح، على أن يكون وزيره أو مستشاره الدينى ألعاذار بن هارون.
٣ - وضع للإسرائيليين النظام الذى يجب عليهم اتباعه فى الأرض التى وعدهم الله بفتحها، فأمرهم بتقسيمها بعدد الأسباط إلى إثنى عشر قسماً متساوياً توزع بين الأسباط بالقرعة.
ثالثاً: عبادة العجل:
فقد حدث أنه بعد أن اطمأن الإسرائيليون لنجاتهم من فرعون، وحين تركهم موسى لتلقى التوراة فلما استبطأوا عودته سولت لهم أنفسهم، التي تأثرت بوثنية المصريين، أن يجعلوا لهم إلهاً كما لهم آلهة، فصنعوا من حليهم عجلاً جسداً له خوار وعكفوا عليه عابدين، والقرآن والتوراة متفقان في هذا، إلا أن القرآن يذكر أن الذي صنع لهم العجل رجل يدعى السامرى.
يقول الله تعالى:
* وَمَا أَعْجَلَكَ ﴿١١﴾ *
عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى ﴿١٣﴾ قَالَ هُمْ أَوْلًا ءَ عَلَى أَثْرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضِي ﴿١٤﴾ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴿١٥﴾ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَنِ أَسِفًا قَالَ يَنْقَوِمَ أَلَمْ يَعْدُكُمْ رَبُّكُمْ وَعَدًا حَسَنًا أَفْطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يُحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضْبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ﴿١٦﴾ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَدْ فَيْنَهَا فَكَذَّلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴿١٧﴾ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عَجَلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهَكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِي ﴿١٨﴾ أَفَلَا يَرُونَ أَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴿١٩﴾ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِنْ قَبْلُ يَنْقَوْمِ إِنَّمَا
فَتِنْمُ بِهِ وَإِنْ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ﴿١﴾ قَالُوا لَنْ نَبَرَحَ عَلَيْهِ عَلَيْكِ فِينَ حَيَّ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴿٢﴾ قَالَ يَلْهَرُونُ مَا مَنْعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُوا ﴿٣﴾ أَلَا تَتَّبِعِنِّي أَفْعَصِيَتَ أَمْرِي ﴿٤﴾ قَالَ يَبْنُؤْمَ لَا تَأْخُذْ بِلَحْيَيَ وَلَا بِرَأْسِي ﴿٥﴾ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَقَتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَاءِ بِلَ وَلَمْ تَرَقْبَ قَوْلِي ﴿٦﴾ قَالَ فَمَا خَطَبُكَ يَسْتَمِرِي ﴿٧﴾ قَالَ بَصْرَتْ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضَتْ قَبْضَةً مِنْ أَثْرِ الرَّسُولِ فَنَبَذَتْهَا ﴿٨﴾ وَكَذَّلِكَ سَوَلَتْ لِي نَفْسِي ﴿٩﴾ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيْزِةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَيْهِكَ الَّذِي ظَلَتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحْرِقَتْهُ ثُمَّ لَنَنِسَفْتُهُ فِي الْيَمِ نَسْفًا ﴿١٠﴾ إِنَّمَا إِلَيْهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿١١﴾
وهكذا نرى أنه بينا يذكر القرآن أن السامرى هو الذى أغوى، وأن هارون عليه السلام هو الذى أرشد وأهدى، نرى التوراة تذكر أن الذى صنع لهم العجل هو هارون عليه السلام وهذا نصها:
« ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون. وقالوا له قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا. لأن هذا موسى الرجل الذى أصعدنا من أرض مصر. لا نعلم ماذا أصابه. فقال لهم هارون. انزعوا أقراط الذهب التى في آذان نسائكم وبنائكم وأتونى بها. فنزع كل الشعب أقراط الذهب التى في آذانهم وأتوا بها هارون. فأخذ ذلك من أيديهم وصوره
بالأزميل وصنعه عجلا مسبوكا. فقالوا هذه آهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر. فلما نظر هارون بني مذبحاً أمامه. ونادى هارون وقال: غداً عيد للرب. فبكروا في الغد وأصعدوا محرقات وقدموا ذبائح سلامة. وجلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب فقال الرب لموسى اذهب أنزل. لأنه قد فسد شعبك الذى أصعدته من أرض مصر. زاغوا سريعاً عن الطريق الذى أوصيتهم به. صنعوا لهم عجلاً مسبوكاً وسجدوا له وذبحوا له وقالوا هذه آهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر.
فانصرف موسى ونزل من الجبل ولوحا الشهادة في يده لوحان مكتوبان على جانبيهما. من هناكانا مكتوبين. واللوحات هما صنعة الله والكتابة كتابة الله منقوشة على اللوحين.. وكان عندما اقترب من المحلة أنه أبصر العجل والرقص. فحمى غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل. ثم أخذ العجل الذى صنعوا وأحرقه بالنار وطحنه حتى صار ناعما وذراه على وجه الماء وسقى بنى إسرائيل.
وقال موسى لهرون ماذا صنع بك هذا الشعب حتى جلبت عليه خطبة عظيمة. فقال هرون لا يحم غضب سيدى. أنت تعرف الشعب أنه في شر. فقالوا اصنع لنا آلهة تسير أمامنا. لأن هذا موسى الرجل الذى أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه. فقلت لهم من له ذهب فلينزعه ويعطيني فطرحته في النار فخرج هذا العجل. (٧)
رابعاً: التيه:
سار موسى ببنى إسرائيل إلى الأرض التي وعدهم الله بها ولكن الإسرائيليين الذين تمكن الذل والهوان والصغار من نفوسهم لما لقوه على يد المصريين لم يلبثوا حين رأوا العدو أن طارت أفئدتهم هلعاً ورعباً، وانقلبوا على أعقابهم مدبرين لا يلوون على شئ، غير عابئين بنداء موسى وتذكيرهم بما عاهدوا الله عليه، وشكا موسى إلى الله عصيانهم وتمردهم وقلة حيلته، فقضى الله على العصاة بحرمانهم من دخولها والتيه في الصحراء أربعين سنة، وهكذا ظلوا هائمين على وجوههم في البرية إلى أن ابتلعتهم الصحراء في جوفها، ولم يشأ الله لموسى ولا لهارون عليهما السلام ولا للجبل الذى خذلهما دخول فلسطين، فقد مات هارون ودفن في جبل
(٧) سفر الخروج [ ٣٢/١ - ٢٤ ].
يسمى ( هور ) من جبال سيناء ولحق به موسى عليه السلام الذى مات وهو جالس على جبل يسمى ( نبو ) ينظر إلى الأرض الموعودة، ودفن هناك فى كثيب أحمر، وخفيت معالم قبره (٨).
وإليكم ما يقول القرآن الكريم عن هذا الحدث الذى لا يختلف فى جوهره عما قصته التوراة:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَلْقَوْمِ ﴾
أَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَءَاتَنْكُمْ
مَالَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ ﴿٣﴾ يَلْقَوْمِ أَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ
الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَسِيرَيْنَ ﴿٣٣﴾ قَالُوا
يَمُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يُخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ
يُخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَخِلُونَ ﴿٣٣﴾ قَالَ رَجُلًا مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيْهِمَا أَدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ وَعَلَىٰ اللَّهِ
فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٣٣﴾ قَالُوا يَمُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا
فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَلِتِلَا إِنَّا هَذِهَنَا قَعِدُونَ ﴿٣٣﴾ قَالَ رَبِّ
إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَأَفْرُقُ بِيَدْنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ ﴿٣٣﴾
قَالَ فَإِنَّهَا مُحْرَمَةٌ عَلَيْهِمُ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَىٰ
الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ ﴿٣٣﴾
(٨) انظر: سفر العدد ١٣، ١٤، وسفر الشنية ١، ٣٢، ٣٤.
(٩) المائدة: ٢٠ - ٢٦.