نشأتها وتطورها
الفصل الأول اليهودية
نشأتها وتطورها
اليهود. هم أتباع موسى عليه السلام، وكتابهم التوراة، ويطلق عليهم بالإضافة إلى ذلك بنى إسرائيل والعبرانيين، وكلها تسميات وضعية كما قلنا اختلف في منشأها:
« اليهودية »:
وقد دارت حول منشأها اجتهادات كثيرة أهمها:
١ - الشهرستاني الذي يقول بالاشتقاق اللغوي يقول: « هاد الرجل أي رجع وتاب، وإنما لزمهم هذا الاسم لقول موسى عليه السلام. [ إنا هدنا إليك ] أي رجعنا وتضرعنا »(١).
والواقع أن هذه التسمية من هذا الاشتقاق تنطبق إلى حد كبير على سيرة اليهود، فالمرء حين يتصفح أسفارهم الدينية يندهش من سرعة تمردهم وعصيانهم لأنبيائهم إلى حد قتلهم، ثم توبتهم، ثم تمردهم، ثم توبتهم، ويكفي أن تذكر التوراة أنهم ارتدوا ثمانية مرات منذ خروجهم من مصر بقيادة موسى عليه السلام وحتى دخولهم فلسطين على يد شاول، وهي مدة لا تزيد عن مائة وخمسين عاماً، وكان كثير من تلك المرات التي ارتدوا فيها في حياة موسى عليه السلام نفسه.
وهكذا سلسلة متصلة من العصيان والتوبة، وهذا الأمر يعتبر ظاهرة نفسية تحكم سلوك اليهود على امتداد تاريخهم الديني كله، والقرآن الكريم متفق مع كتبهم المقدسة في إبراز هذه الظاهرة.
(١) الملل والنحل: ١٩٢/١ - تخرج محمد فتح الله بدران ط ٢ مكتبة الأنجلو العربية القاهرة ١٩٥٦.
٢ - ويذهب كثير من المؤرخين إلى أن الهودية نسبة إلى « يهوذا » أحد أبناء يعقوب عليه السلام، ويرجح هذا الرأى أن سبط يهوذا كان له شأن كبير في تاريخ الهود وهو الذى أسس أقوى دولة لهم في فلسطين.
٣ - ويرى فريق آخر أنها تسمية متأخرة، سماهم بها الفرس حين احتلوا فلسطين في القرن السادس قبل الميلاد تقريباً، وأطلقوا على عقيدتهم الهودية، تمييزاً لهم عن غيرهم من الشعوب الأخرى، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت كلمة الهود تعنى من اعتنق الهودية ولو لم يكن من بنى إسرائيل(٢).
« بنى إسرائيل »
وهو اللقب الذى أطلقه القرآن وكذلك التوراة كثيراً على الهود، كما أنه اللقب الذى يعتز به الإسرائيليون كثيراً، لأنه اللقب الذى به يؤكدون أو يبرزون به نسبهم بإبراهيم عليه السلام، والنسب من الأمور التى يهتم بها الإسرائيليون غاية الاهتمام، ويحرصون على إبرازها، ويقصدون بها التأكيد على أصالة نسبهم وعراقة أصولهم، بهدف ترسيخ فكرة أنهم شعب الله المختار، ولهذا نجد أسفارهم الدينية مغرمة بذكر أنسابهم تفصيلاً ولا تمل تكرارها، فتذكر التوراة أن إبراهيم عليه السلام اتخذ زوجة تدعى « سارة » ولدت له إسحاق عليه السلام، وأمة تدعى « هاجر » المصرية، ولدت له إسماعيل عليه السلام، أما إسحق عليه السلام فقد تزوج إمرأة تدعى « رفقة » التى أنجبت له توأمين: الأول منهما كان كثيف الشعر فسموه عيسو وأصبح بكر أبيه، وبعده خرج الثانى ويده قابضة بعقب عيسو فدعوه يعقوب، وهو المسمى إسرائيل، ومن هنا سمى أبناؤه بنى إسرائيل.
وبه يبدأ التاريخ الحقيقي لبنى إسرائيل، ومن العجيب أن يبدأ هذا التاريخ بالمكر والخديعة، فالتوراة وهى تذكر هذه البداية وكأنها تريد أن تقرر مبدأ « الغاية تبرر الوسيلة » كقيمة أخلاقية، وإليكم ما تقوله التوراة لتتبينوا هذا بأنفسكم.
تقول التوراة « سفر التكوين » [ ٢٧ / ١ - ٣٦ ]:
« وحدث لما شاخ إسحق وكلت عيناه عن النظر أنه دعا عيسو ابنه الأكبر وقال له يا ابنى. فقال له هأنذا، فقال اننى قد شخت ولست أعرف »
(٢) انظر مقارنة الأديان - الهودية: ص ٨٨ - أحمد شلبي ط ٤ مكتبة نهضة مصر القاهرة
١٩٧٤.
يوم وفاتي. فالآن خذ عدتك جعبتك وقوسك واخرج إلى البرية وتصيد لى صيداً. واصنع لى أطعمة كما أحب وأتنى بها لآكل حتى تباركك نفسى قبل أن أموت.
وكانت رفقة سامعة إذ تكلم إسحق مع عيسو ابنه. فذهب عيسو إلى البرية كى يصطاد صيداً ليأتى به، وأما رفقة فكلمت يعقوب ابنها قائلة إنى قد سمعت أباك يكلم عيسو أخاك قائلاً: إنتى بصيد واصنع لى أطعمة لآكل وأباركك أمام الرب قبل وفاتى، فالآن يا ابنى اسمع لقولى فى ما أنا آمرك به. اذهب إلى الغنم وخذ لى من هناك جدين جيدين من المعزى. فأصنعهما أطعمة لأييك كما يحب، فتحضرها إلى أييك ليأكل حتى يباركك قبل وفاته. فقال يعقوب لرفقة أمه هو ذا عيسو أخى رجل أشعر وأنا رجل أملس - ربما يجسنى أبي فأكون فى عينيه كمتهاون وأجلب على نفسى لعنة لا بركة. فقالت له أمه لعنتك علي يا ابنى، اسمع لقولى فقط واذهب خذ لى فذهب وأخذ وأحضر لأمه، فصنعت أمه أطعمة كما كان أبوه يحب، وأخذت رفقة ثياب عيسو إبنها الأكبر الفاخرة التى كانت عندها فى البيت وألبست يعقوب ابنها الأصغر، وألبست يديه وملامسة عنقه جلدى المعزى، وأعطت الأطعمة والخبز التى صنعت فى يد يعقوب ابنها.
فدخل إلى أبيه وقال يا أبى: فقال هأندا، من أنت يا ابنى. فقال يعقوب لأبيه أنا عيسو بكرك، قد فعلت كما كلمتتى، قم اجلس وكل من صيدى لكى تباركنى نفسك - فقال إسحق لابنه ما هذا الذى أسرعت لتجد يا ابنى فقال إن الرب إلهك قد يسر لى. فقال إسحق ليعقوب تقدم لأجسك يا ابنى أأنت هو ابنى عيسو أم لا. فتقدم يعقوب إلى إسحق أبيه، فجسه وقال الصوت صوت يعقوب ولكن اليدين يدا عيسو. ولم يعرفه لأن يديه كانتا مشعرتين كيدى عيسو أخيه، فباركه، وقال هل أنت هو ابنى عيسو، فقال أنا هو. فقال قدم لى لآكل من صيد ابنى حتى تباركك نفسى. فقدم به فأكل. وأحضر له خمراً فشرب. فقال له إسحق أبوه تقدم وقبلنى يا ابنى فتقدم وقبله، فشم رائحة ثيابه وباركه، وقال انظر. رائحة ابنى كرائحة حقل قد باركه الرب، فليعطك الله من ندى السماء، ومن دسم الأرض، وكثرة حنطة وخمر، ليستعبد لك شعوب وتسجد لك قبائل، كن سيداً لأخوتك، وليسجد لك بنو أمك، ليكن لاعنوك ملعونين ومباركوك مباركين.
وحدث عندما فرغ إسحق من بركة يعقوب ويعقوب قد خرج من لدن إسحق أبيه أن عيسو أخاه أقى من صيده فصنع هو أيضاً أطعمة ودخل بها إلى أبيه وقال لأبيه ليقم أبى ويأكل من صيد ابنه حتى تباركني نفسك فقال له إسحق أبوه من أنت. فقال أنا ابنك بكرك عيسو. فارتعد إسحق ارتعاداً عظيماً جداً. وقال فمن هو الذى اصطاد صيداً وأقى به إلى فأكلت من الكل قبل أن تمي وباركته، نعم ويكون مباركاً، فعندما سمع عيسو كلام أبيه صرخ صرخة عظيمة ومرة جداً. وقال لأبيه باركني أنا أيضاً يا أبى. فقال قد جاء أخوك بكر وأخذ بركتك. فقال ألا إن اسمه دعى يعقوب فقد تعقبني الآن مرتين، أخذ بكوريتي وهو ذا الآن قد أخذ بركتي ».
ولا يخفى ما في هذا النص من دلالة على المعايير التي تحكم سلوك بني إسرائيل إن في علاقتهم الداخلية أو الخارجية، والتي تشكل تكوينهم النفسي والأخلاقي حتى الآن.
ثم تزوج يعقوب عليه السلام بنتي خاله:
لئية، وولدت له: رأوين، وشمعون، ولاوى ( الذى من نسله موسى وهارون عليهما السلام )، ويهوذا، ويساكر، وزبولون.
راحيل: وولدت له: يوسف، وبنيامين.
ثم كان له أمة تدعى زلفة، ولدت له: جاد، وأشير.
ومن جارية أخرى تدعى بلهة أنجب منها: دان، ونفتالى.
وبهذا كان ليعقوب اثنا عشر ولداً، وهم رؤوس الأسباط الذين دخلوا مصر مع أبيهم يعقوب عليه السلام في القرن السادس عشر قبل الميلاد تقريباً حين استقدمهم يوسف عليه السلام، وقد وردت قصتهم كاملة في سورة يوسف، وهي لا تختلف كثيراً عما قالته التوراة - سفر التكوين.
والرسم التوضيحي في الصفحة التالية يبين شجرة نسب بنى إسرائيل حتى موسى عليه السلام.
« العبرانيين »
وهناك اتفاق عام على أنه يطلق على من انحدر من ذرية إبراهيم عليه السلام ولكن الخلاف في معناها واشتقاقها:
١ - عبرى مشتقة من الفعل « عبر » ومعناه في العبرية كما في العربية، قطع مرحلة من الطريق أو الوادى، وقد أطلق على إبراهيم عليه السلام، لعبوره النهر والصحراء فراراً من قومه.
٢ - أو أنها نسبة إلى جد إبراهيم الأعلى عابر بن سام بن نوح، كما ورد في سفر التكوين الأصحاح ١٣، وقد عرف إبراهيم عليه السلام بهذا اللقب. كما جاء في نفس السفر الإصحاح ١٤.
٣ - أو هي من البداوة، لأن بنى إسرائيل كانوا بدواً كثير التنقل والترحال وراء الكلأ والمرعى لمواشيهم، فكلمة « عبرى » مثل كلمة « بدوى » أى ساكن الصحراء والبادية، في مقابل « حضرى » أى ساكن المدن، والأمم المتحضرة من المصريين والكنعانيين وغيرهم هم الذين أطلقوا عليهم هذا اللقب تميزاً لهم عن المتحضرين، حيث وفد الإسرائيليون عليهم من بطون الصحراء. واليهود لهذا ينفرون كثيراً من التسمية ويفضلون عليها تسميتهم بالإسرائيليين أو اليهود.
وأياً كان منشأ هذه الألقاب التي عرفوا بها، فهي كلها تسميات تؤكد المعنى الذى نقصده، وهو أنها تسميات وضعية إصطلاحية خص بها أتباع موسى عليه السلام.
ابراهیم
اسماعیل
اسحاق
یعقوب و همر المسمی اسرائیل
عیسو
رأویین شمون لاوی یهودا یساکر زبولون یوسف بنیامین جاد اشیر دانا نقتالی
فاهت
عمران
موسی هارون