كتبهم
كتبهم
أما الكتاب الذي نزل على عيسى عليه السلام، فهو الإنجيل كما جاء في القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى عن عيسى:
(٣٩)
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَبُ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَثَةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)
والإنجيل المنزل لا يتضمن أحكاماً تشريعية كثيرة في الحلال والحرام. ولكنه يدور حول أمور عقائدية وأخلاقية بشر بها المسيح عليه السلام لخلاص الإسرائيليين من أوزارهم وتحريفاتهم. ولا نعرف عن الإنجيل المنزل شئ، يعتمد عليه، كوثيقة دينية صحيحة، وإنما تنلولته يد التحريف والتبديل. وقد اتخذ اليهود من هذا مبرراً لكفرهم بالمسيح، لأنه في رأيهم كان مأموراً بمتابعة موسى عليه السلام والتوراة، لكنه خالفها في أمور منها: تغيير السبت بالأحد، وإباحة أكل الخنزير، وعدم الحتان وغيرها من الأحكام (٤٠).
وقد صور القرآن الكريم حال اليهود والنصارى، بعد أن حرفوا التوراة والإنجيل واتهاماتهم المتبادلة، في قوله
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصْرُ عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصْرُ عَلَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَبُ ﴾ (٤١)
كما أن الإنجيل النازل على عيسى لا ندرى إن كان عيسى كان قد كتبه بنفسه أو أملاه على أحد ولكن ما بين أيدينا الآن هو تلك الأناجيل التي تعتبر روايات
(٤١) البقرة: ١١٣.
(٣٩) آل عمران: ٤٨.
(٤٠) انظر مقارنة الأديان - المسيحية ١٧٤.
عن عيسى عليه السلام وتعاليمه. ولهذا لا يدعى أحد من المسيحيين اليوم أن الأناجيل الأربعة الموجودة الآن، هي من إملاء الوحى على عيسى، وإنما هي من وضع أربعة رجال وضعوها في تواريخ مختلفة.
والكتاب المقدس لدى المسيحيين يشتمل على قسمين:
(أ) العهد القديم: المتضمن التوراة والأسفار الدينية عند اليهود كما عرضناها في الفصل السابق.
(ب) العهد الجديد: ويشتمل على الأناجيل الأربعة، وأعمال الرسل. وتعليماتهم وتاريخهم وغير ذلك في عهد عيسى وبعده.
غير أن المسيحيين يتهمون اليهود بتحريف التوراة عن طريق تأويلها ووضع الشروح والحواشي عليها، لذلك لجأ المسيحيون إلى تفسير التوراة على ضوء أناجيلهم لخدمة اعتقادهم في المسيح وألوهيته، من هنا كان العهد الجديد هو كتاب المسيحيين الأهم.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن كلمة « إنجيل ترجع إلى أصل يوناني ومعناها ( الحلوان ) لمن يأتي بالبشرى ثم استعملت في البشرى نفسها، وقد استعملها عيسى بمعنى ( بشرى الخلاص ) وقد استمر استعمال هذا المعنى وتوسع فيه فأصبح عنواناً على تعاليم المسيح التي بشر بها لخلاص الإنسان من الخطيئة.
ثم استقر هذا الإسم عنواناً على الكتب المقدسة لدى المسيحيين، فأصبح يقال: إنجيل متى، وإنجيل لوقا، وهكذا (٤٢).
والعهد الجديد يحتوى على سبعة وعشرين سفراً: يمكن تصنيفها تحت أقسام ثلاثة:
أولاً: الأسفار التاريخية:
وتتحدث عن حياة عيسى عليه السلام وحواريه، ويشمل هذا القسم الأناجيل الأربعة.
ثانياً: الأسفار التعليمية:
وهي عبارة عن الرسائل التي وجهها معلمي المسيحية الأول، إلى أنحاء متفرقة يدعون الناس فيها إلى المسيحية.
(٤٢) انظر مقارنة الأديان - المسيحية ١٧٤.
ثالثاً: رؤيا يوحنا اللاهوتي:
وفيها حديث عن رؤيا يقظية ليوحنا عن المسيح ودعوته، واستمرار اتصاله برجال الدين المسيحي.
والعهد الجديد بما فيه من الأناجيل. وبوضعه الراهن، يعتبر الصيغة الأخيرة التي أقرتها الكنيسة سنة ٣٢٥ م بعد خلافات دامية بين المسيحيين أنفسهم في صحة كتبهم الدينية.
وفي هذا المقام فإننا نود التنبيه إلى أمر هام له دلالته، وهو أن العهد الجديد يعتبر بشكله الحالي من وضع بعض رجال الدين المسيحي وتعبيراً عن وجهة نظر معينة. فهو عبارة عن صياغة لعقيدة أو مذهب معين شاع بين المسيحيين، قبل تاريخ وضعه، وهو مذهب التثليث والوهية عيسى الذي قال به بولس وأتباعه، ثم أخذت به الكنيسة لأسباب سنذكرها فيما بعد.
ويتبين من هذا أن الكتب المقدسة عند المسيحيين الآن، وضعت أو صارت معتمدة وأصبح لها صفة رسمية بعد المسيح بأربعة قرون تقريباً. ونسوق في هذا الشأن رأى أحد القساوسة الذين أسلموا، ويدعى عبدالأحد داود، يقول:
( إن هذه السبعة والعشرين سفراً أو الرسالة الموضوعة من قبل ثمانية كتاب، لم تدخل في عداد الكتب المقدسة باعتبار مجموع هيئتها بصورة رسمية إلا في القرن الرابع باقرار مجمع « نيقية » العام وحكمه سنة ٣٢٥ م.
لذلك لم تكن إحدى هذه الرسائل مقبولة ومصدقة لدى الكنيسة وجميع العالم العيسوي قبل التاريخ المذكور.
ثم جاء من الجماعات العيسوية في الأقسام المختلفة من كرة الأرض، ما يزيد على ألف مبعوث روحاني، ومعهم عشرات الأناجيل، ومئات الرسائل إلى « نيقية » لأجل التدقيق، وهناك تم انتخاب الأناجيل الأربعة من أكثر من أربعين أو خمسين إنجيلاً، وتم انتخاب الرسائل الإحدى والعشرين من رسائل لا تعد ولا تحصى. وصودق عليها.
وكانت الهيئة التي اختارت « العهد الجديد » هي تلك الهيئة التي قالت بألوهية المسيح، أو كان اختيار كتب العهد الجديد على أساس رفض الكتب
المسيحية المشتملة على تعاليم غير موافقة لعقيدة « نيقية » وإحراقها كلها (٤٣). من هذا يتضح أن مصدر المسيحيين في اعتقاداتهم، ليس هو المسيح نفسه، أو الوحي الذي نزل عليه، وإنما هو الكنيسة، ورجال الدين المسيحي بعد عيسى عليه السلام بزمن طويل.
فمصدر المسيحية في اعتقاداتهم، هو في الحقيقة مصدر بشري وليس إلهي كما يزعمون، وهذا رأى الثقاة من علماء المسيحيين أنفسهم.
ونحن هنا، بخصوص غرضنا في تمييز الملة من النحلة في المسيحية بوثائقها الخاصة أي العهد الجديد وبنشأتها وتطورها والدراسات النقدية المستمرة في تراثها، نجدنا أمام موقف أكثر وضوحاً وأقل عناءاً في إنجاز هذا الغرض. من موقفنا من اليهودية، فليس من الجازفة لأي بحث علمي إعتماداً على تلك الدراسات، القول بأن المسيحية بوضعها الراهن وبوثائقها الأصلية التي بين أيدينا الآن نحلة من حيث المحتوى، ونسبة هذا المحتوى. وليس فيها من معنى الملة إلا الجانب التاريخي الذي ليس أمامنا من سبيل لمعرفته معرفة يعتد بها حتى الآن على الأقل إلا بالاعتماد على القرآن الكريم.
فالنصارى تختلف عن اليهود في دعوى إتصال السند، حيث أنهم بأجمعهم متفقون على أن الأناجيل التي بين أيديهم، ليست هي الإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام، بل يتغافلون جميعاً عن ذكر هذا الإنجيل، وإنما هي سير أو تاريخ ألفه أربعة رجال، بعضهم عاصره وبعضهم لم يعاصره في أزمان مختلفة لا يزيد أكبرها حجماً عن ثمان وعشرين صفحة، فأولها:
إنجيل متى:
( ومتى ) كما يقولون، أحد الحواريين، ومن أصحاب عيسى عليه السلام، مات بالحبشة سنة ٧٩ م حيث كان قد اتخذها مقراً لنشر دعوته، وقد ألف إنجيله بعد تسع سنين من رفع عيسى عليه السلام، وكتبه باللغة الآرمية أو العبرية كما يقول ابن حزم، ولكن تلك النسخة فقدت ولم يعثر لها على أثر.
ثم ظهر كتاب باللغة اليونانية، قيل إنه ترجمة لإنجيل متى وهو الموجود لدينا نسخ منه الآن، ولكن لا يعرف مترجمه ولا تاريخ ترجمته، مما يشكك في
(٤٣) مقارنة الأديان - المسيحية - ١٧٤.
صحة نسبته إلى متى، ونحن نعلم، أن أى شك فى المصدر الدينى، يقلل من قيمته كوثيقة يعتد بها فى الاعتقاد والأصول الدينية.
ثم إنجيل مرقس:
ألفه كما يقولون، مرقس الهارونى تلميذ شمعون الصفا بن توما المسمى باطرة تلميذ المسيح عليه السلام، وقد وضعه بعد اثنين وعشرين عاماً من رفع المسيح، وكتبه باللغة اليونانية أثناء وجوده فى أنطاكية، وقد اتخذ مرقس مصر مقراً لدعوته، وقتل بها سنة ٦٢ م.
والمصادر المسيحية مضطربة فى صحة نسبته إليه. فبينما تؤكد بعض المصادر أنه كتب بعد سنة ٦٢ م، تؤكد مصادر أخرى أن مرقس قد قتل بمصر سنة ٦٢ م. فكيف يكون تاريخ الإنجيل بعد وفاة صاحبه.
كما أنهم يختلفون حول ما إذا كان مرقس هو الذى كتب إنجيله بنفسه، أو أنه أملاه على غيره، أو أنه من وضع أحد تلاميذه، اعتمد فيه على أقوال تلقاها شفاهاً من أستاذه.
ويذهب آخرون، إلى أن بطرس رئيس الحواريين، وأستاذ مرقس، هو الذى رواه عن تلميذه، وهذا أمر غير مستساغ وغير مألوف، فكيف تكون المسألة بالعكس فيروى أستاذ عن تلميذه. وهناك من يذهب إلى أنه وإنجيل يوحنا من وضع بولس (٤٤).
إنجيل لوقا:
ولوقا ليس من الحواريين ولا من تلاميذهم، وإنما هو تلميذ بولس، وبولس لم يشهد المسيح، أى أنه من أتباع التابعين، وقد ألف إنجيله باللغة اليونانية فى انطاكية من بلاد الروم.
وإنجيل يوحنا:
وهو أكثرها تلييساً فى مسألة ألوهية المسيح، ويرجح الباحثون أن الإنجيل الذى ينسب إلى يوحنا إنما هو من وضع أحد المسيحيين المتأخرين بعد المسيح، وليس من وضع يوحنا الحوارى، كما يشاع خطأً، فقد جاء فى دائرة المعارف البريطانية:
(٤٤) انجيل برنابا دراسات حول وحدة الدين ص ٣٥، تحقيق سيف الله أحمد فاضل، دار القلم - الكويت ط٢، ١٩٨٣.
« أما إنجيل يوحنا، فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور، أراد صاحبه به مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض، وهما القديسان يوحنا ومتى وقد ادعى هذا الكاتب المزور في نفس الكتاب أنه هو الحواري الذي يحبه المسيح، فأخذت الكنيسة، هذه الجملة على علاتها وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري، ووضعت إسمه على الكتاب نصاً، مع أن صاحبه غير يوحنا يقيناً. ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه.
وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم ليربطوا ولو بأوهى رابطة، ذلك الرجل الفلسفي الذي ألف هذا الكتاب في الجليل الثاني، بالحواري يوحنا الصياد الجليل، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى (٤٥).
ويبدو أن ابن حزم قد وقع في نفس الخطأ، فنسب هذا الإنجيل إلى يوحنا تلميذ المسيح، وعبارة ابن حزم نفسه تؤكد ذلك الخطأ في نسبة هذا الإنجيل زوراً إلى يوحنا الحواري فيقول:
( والرابع: تاريخ ألفه يوحنا ابن سيذاي من تلاميذ المسيح بعد رفع المسيح ببضع وستين سنة، وكتبه باليونانية.. ويوحنا هذا نفسه هو الذي ترجم إنجيل متى صاحبه من العبرانية إلى اليونانية ) (٤٦).
فواضح من قول ابن حزم أن يوحنا قد وضعه بعد رفع المسيح بأكثر من ستين سنة وتلك مدة كبيرة لا يتصور معها أن يكون يوحنا من أصحاب المسيح ثم يعيش بعده بأكثر من ستين سنة يضع إنجيله بعدها، مع أن ابن حزم يقول بأن يوحنا قد مات مسموماً.
كما لا يعقل أن يضع يوحنا إنجيله وسنه أكثر من مئة سنة، إذا اعتبرنا أن المسيح رفع ويوحنا قد بلغ من العمر أكثر من أربعين سنة.
والشهرستاني في الملل والنحل يبدو أنه وقع في نفس الخطأ فقد قال: ( ثم أن أربعة من الحواريين، اجتمعوا وجمع كل واحد منهم جمعاً سماه:
(٤٥) انظر مقارنة الأديان - المسيحية ١٨٠ وما بعده.
(٤٦) الفصل في الملل ج ٣/٢.
الإنجيل، وهم متى، ولوقا، ومرقس، ويوحنا (٤٧) ولعله وابن حزم نقلا كلام المسيحيين على علاته.
فهذا الإنجيل، إما أن يكون من وضع رجل مسيحي إسمه يوحنا وتشابه الإسم هو الذي أوقع المؤرخين في هذا اللبس، كما تقول دائرة المعارف البريطانية، وإما أنه قد نسب زوراً إلى يوحنا الحواري بقصد ترويج ما فيه من أفكار.
ومن هذا نرى أن الأناجيل فضلاً عن الرسائل الأخرى، كتبت كلها إعتماداً على الذاكرة بعد زمان أحداثها وخارج مكان تلك الأحداث، وفي هذا تفسير للإختلاف والخلاف في سرد وقائع هذه الأحداث، وهذا كله يجعل مسألة السند والمتن بالنسبة للمسيحية غير ذات موضوع ولا تستدعى نقاشاً أو جدلاً حولها.
(٤٧) الملل والنحل ١/ ٢٠٢.