حمدي عبد العالorigins.faith
النص العربي مستخرج آلياً من نسخة ممسوحة؛ قد تقع أخطاء، خاصة في الآيات والحواشي. إن رأيت خطأً فاضغط «أبلغ عن خطأ» في الصفحة. الآراء الواردة في الكتاب آراء المؤلف.

نشأتها وتطورها

الفصل الثاني المسيحية

نشأتها وتطورها

الكلام في المسيحية(١) لا ينفصل من حيث الأصول والمصادر عن القول في اليهودية للصلة التاريخية والدينية الوثيقة بينهما، وإن كان اليهود لا يعترفون بالمسيحية، كتاباً ونبوة وعقائد وشعائر، فإن المسيحية من حيث كتبها ورسلها لها نسب بيني إسرائيل وكتبهم، ويعني هذا أن القول في المسيحية ما هو إلا إمتداد للقول في اليهودية ونقدنا للتوراة متنا وسنداً يمتد أثره بالضرورة إلى المسيحية من حيث الملة والنحلة، ما دامت المسيحية تجعل العهد القديم جزءاً من ثرائها والتربة التي تمتد إليه جذورها والمرجع الذي تستند إليه في عقائدها ورموزها وطقوسها، إلا إن المسيحية كما هي الآن، وإن كانت تعترف بأبوة التوراة من الناحية الرسمية، فإنها من حيث الواقع تعتبر نطفة - إن جاز لنا هذا التعبير - تكونت من مياه كثيرة، وتقلبت بحسب أطوارها في أرحام متعددة - أورشليم، والإسكندرية، وطرسوس، وإنطاكية، وأثينا - حتى تم بناؤها وميلادها في روما وقد أصبحت خلقاً آخر، ليس له من الشرق إلا عروق متصلة به تمده بدمه وفكره وعقائده مما يضمن له البقاء والحياة، أما الغرب فرحم تربت فيه وأمدها بغذاء شكل بنيانها وأكمل أطوارها، بل لا نعدو الصواب إذا قلنا إن المسيحية كانت في نشأتها وتطورها كائناً عجيباً تفردت عن الكائنات الحية بأن لها أكثر من أب وأكثر من رحم، فلا هي بالشرق وحده ولا بالغرب وحده، وإنما بهما معا، بحيث لو نزعنا عروق الحياة التي تصلها من الشرق أو الغرب لم يبق منها شيء وتلاشت ككائن هبائي إن جاز لنا هذا التعبير، فرغم تضخمها وتورمها لا تحمل في ذاتها أجهزة حياتها التي تضمن لها البقاء والإستمرار، فهي ظل لا حقيقة ومراة لا واقع ومركب ليس له عناصر، وخليط من أوهام وخيالات لا صورة لها ولا حدود.

(١) نذكر بأن دين عيسى عليه السلام ورسالته هي الإسلام، أما تلك التسمية، فتسمية وضعية متأخرة شاع استعمالها بعد أن تحولت رسالة عيسى إلى دين جديد مغاير في القرن الرابع تقريباً - وانظر في ذلك - شارل جنيير - المسيحية نشأتها وتطورها الفصل السابع.

فنحن إذا نظرنا في أقدم وثائقها نجدها تنفرد عن سائر النصوص الأخرى بضعف السند والاضطراب وعسر التحقيق، ولا أدل على ذلك من أن: « البحث الدقيق الذي دار في السنوات الأخيرة على أساس الوثائق الأصلية لم يثبت سوى تصوير حياة عيسى في شئ من اليقين والتثبت، ويجب علينا أن ننظر إلى الكتب التي تدعى سرد سيرته على أنها مؤلفات تستند إلى الكثير من التحكم والنزعات الذاتية »(٢) « فتصفح الأناجيل وحدها يكفى لإقناعنا بأن مؤلفها قد توصلوا إلى تركيبات واضحة التعارض لنفس الأحداث والأحاديث، مما يحتم القول بأنهم لم يلتمسوا الحقيقة الواقعية في كتابتها ولم يستلهموا تاريخاً ثابتاً يفرض تسلسل الحوادث عليهم، بل على العكس من ذلك اتبع كل هواه وخطته الخاصة في تنسيق وترتيب مؤلفه »(٣). « وهكذا لم نعد نستطيع أن نميز في وضوح الجوانب التاريخية لشخصية عيسى ولم نعد نملك تلك المراجع اللازمة لتحديد أحداث حياته في دقة »(٤).

أما إذا نظرنا إليها من منظور تاريخي بحت اعتماداً على أكثر الأخبار إتفاقاً في المصادر التاريخية الأخرى، نجد أنها بدأت بظهور شخص يدعى يسوع الناصري بإقليم الجليل شمال فلسطين إبان حكم الإمبراطور الروماني « ثييريوس » يدعو قومه من بني إسرائيل، بوصفه رسولاً من الله إليهم، يدعوهم إلى البر والتقوى وإحياء أحكام الناموس الذي أنزل على موسى، ومبشراً بقرب قيام مملكة الله التي لن يكون فيها مكان للفاسقين، وقد استجاب إليه والتف حوله بعض الأنصار المخلصين من قومه. ولكن حادثاً عنيفاً أنهى حياته على الأرض، غير أن عمله لم ينته بانتهائه، بل واصل أتباعه التبشير بدعوته، ولكن لم يمض القرن الأول إلا ونجد أن شخصه قد احتل مكان الصدارة في دين جديد أخذ يمتد وينتشر لينتهى بتمييزه التام بل وعداؤه الواضح للدين الذي أتى به عيسى نفسه داعياً له، ويقوى هذا الدين الجديد وتترسخ دعائمه حتى يصبح في القرن الرابع امبراطورية غريبة تقوم باسم المسيح وتسمى المسيحية وتمد ظل كنيستها وسيادتها بامتداد أملاكها ونفوذها على الأرض.

(٢) المسيحية نشأتها وتطورها ص ٢٦ - شارل جنبير - ترجمة عبدالحليم محمود - المكتبة العصرية -

بيروت.

(٣) السابق ص ٢٨.

(٤) السابق ص ٢٩.

وهكذا فإن النظر في المسيحية من حيث نشأتها الأولى، ومن حيث تطورها وما انتهت إليه، يجعلنا أمام صورتين مختلفتين في كل شئ، اللهم إلا في الرابط بينهما وهو شخصية عيسى عليه السلام، تلك الشخصية التي استغلت أسوأ استغلال على مر التاريخ الديني كله: فمسيح اليوم إله، ومسيح الأمس بشر، مسيح اليوم يشرع ويقنن ويحل ويحرم ويذل ويعز، ومسيح الأمس رسول مبلغ عن الله وداع إلى الله بإذنه لا يملك من أمره شيئاً أكثر مما يملك البشر من أمرهم، مسيح اليوم خالق معبود، ومسيح الأمس عبد مخلوق، كتب الأمس تتكلم عن جهاد المسيح وآلامه في سبيل دعوته إلى الله، وكتب اليوم تتكلم عن المسيح المنتصر الذي يجب الإخلاص في عبادته وتأليهه، كتب الأمس تتكلم عن المسيح المحب الساجد على الأرض خشوعاً لخالقه، وكتب اليوم تتكلم عن المسيح الجالس على كرسيه في السماء وعلى رأسه تاج الملك وبيده صولجان الهيمنة على ملكوت الأرض والسماء، وإذا أخذنا في إحصاء الفوارق بين مسيح الأمس ومسيح اليوم لن ننتهى ولن نستطيع إلا إذا استطعنا إحصاء الفوارق بين الله والإنسان، وتلك الفوارق بعينها هي محتوى التراث أو الكلام المسيحي كله وما عداه من ذلك التراث فليس إلا نضحاً وإفرازاً للتحليل أو الجدل في تلك الفوارق، وإن هو إلا حصيلة جدل مستمر وتفسير وتبرير وتعليل عن علاقة اللاهوت والناسوت في شخصية عيسى، ومن هنا كانت أكثر الأديان الثلاثة جدلاً وكلاماً ودورانها حول مشكلة واحدة لا تكف ولن تكف عن الدوران حولها لأن حياتها في ذلك الدوران الذي لو توقف لتوقف معه قلبها وأنفاس حياتها، فإنه إذا لم يكن لعلماء بيزنطة شئ يتكلمون فيه غير البيضة والدجاجة فإنه ماذا يبقى من المسيحية لو حذف منها الكلام في الإله الإنسان أو الإنسان الإله أي المسيح؟! ربما بقي منها اسمه وبعض الفضائل التي نقلت عنه وهي أشياء وإن كانت صحيحة إلا أنها لا تقوم بها ملة ولا تبنى لها كنسية ولا تشيد عليها عروش وممالك، وهنا يحق لنا أن نقول مرة أخرى: إنه لولا القرآن الكريم ما بقي من عيسى عليه السلام ورسالته شئ يدل عليه بيقين لا ملة ولا نحلة، فكل ما قيل عنه خارج ما قاله القرآن كالعهن المنفوش عليه من علماء المسيحيين أنفسهم شكوك تكاد تجعله كعصف مأكول أو أثر بعد عين، وليس فيما نعرضه عن المسيحية من خلال وثائقها الرسمية إلا نموذج فقط لتوضيح هذا الجانب، وسأكتفى من تلك الوثائق بما يحقق الغرض ولن أنساق وراء علماء تاريخ الأديان من المسيحيين في كل ما قالوه، ولن أشاركهم حماسهم في السخرية والهدم، لأن ما أعرضه سيكون أقل منه كافياً في تحقيق الغرض العلمي الذي نحن بصدده، دون تعصب أو تحزب

وهو بيان المللة من النحلة في المسيحية كأحد الأديان السماوية الكبرى تلك الديانة الذي يشكل الإيمان بكتابها ورسولها ركناً من أركان إيماني.

وإن كان هذا غرضي فإنه لن يؤثر فيه بل ربما يدعمه كلمة أجدها ضرورية كمقدمة للحديث عن المسيحية، أوجهها في لطف ومحبة إلى صديقي الراهب الشاب العالم الذي كان لى حظ التمتع بضيافته في أحد أديرتنا العتيدة بوادي النطرون والذي وهب نفسه وشبابه للإيمان فاعتزل الناس بمثاً عن جذور هذا الإيمان وأصوله في سكون صومعته، فلن يسوءه كما لن يسوء كل من يريد من إخواننا الرهبان العلماء الشبان من أمثاله، أن يؤسس إيمانه على الحق والتقوى والخير والمحبة وما ينتهى إليه هذا الفصل من نتائج، ولتعلم يا صديقي أنني سأكون أول من يسعده تصحيح أي خطأ فيها، بشرط أن يكون هذا التصحيح بأدلة صحيحة في الموضوع والهدف، فالجدل والحوار من أجل الحق والخير أمر محمود يدعو إليه كل دين صحيح وعقل مجرد، لأن علم الحق والعمل به رسالة الله إلى الناس، أما الجدل من أجل النفس ونصرة الرأي والإعتقاد، فهو وإن كانت له وظيفة، تناقشا في دورها التربوي والاجتماعي وهو ما يمكن تبريره في حدود تلك الوظيفة، إلا أنه لا يمكن في تقديري تبريره علمياً وأخلاقياً أمام الحق والخير أو في مقام المعرفة، ولذلك فجدل من هذا النوع لا أصلح أن أكون طرفاً فيه ونداً له، فما الذي سيضيفه في تقديرك نوع من هذا الجدل، أكثر مما أضافه علماء الكلام اليهودي أو المسيحي أو الإسلامي، إنه لن يكون إلا تكثيفاً للظلمة التي لفها علماء الكلام حول النور الإلهي في تلك الأديان، وما أود قوله لك هو ما قاله أناتول فرانس: « لا يعنيني سرورك بما شاهدت، وإنما يكفيني أن يكون ما شاهدت هو الحق، فليس من هم العلم أن يستثير السرور أو يبعث على عدم الرضا، إنه غريب عن العواطف البشرية »(٥) وستظل غايتي معك

﴿ قُلْ يَنَاهُلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيِّنَنَا ﴾

وَبَيْنَكُمْ أَلَا نَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذُ بَعْضُنَا بَعْضًا

أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا أَشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٦﴾

(٥) مقدمة - المسيحية نشأتها وتطورها.

(٦) آل عمران: ٦٤.