أخلاق اليهود
أخلاق اليهود
وتعنى أخلاق المنحرفين منهم، أما الذين أسلموا وحسن إسلامهم، وهم للأسف ففة قليلة، فهم إخواننا الذين سبقونا بالإيمان، الذين قال القرآن عنهم:
﴿ وَمِنْ قَوْمٍ مُوسَىٰ أَمَّةً يَهْدُونَ بِالْحَيِّ وَيَهْدِيهِ يَعْدِلُونَ (٢٤) ﴾ ﴿ ﴾
أما عن المنحرفين فيكفى أن نتصفح كتب اليهود المقدسة، حتى نلاحظ كيف كانوا على طرفي نقيض مع رسلهم وما يمثلوه من قيم وأخلاق فاضلة، وإلى أي حد كانت قلوبهم قاسية لا تلين للخير ولا تستجيب للحق ولا تخشع لذكر الله، وكأنها:
﴿ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسُوةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ ﴾
لَمَا يَتَفْجِرُ مِنْهُ أَلَا نَهْرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشْقَقُ فَيَخْرِجُ مِنْهُ أَلَمَاءُ وَإِنَّ ﴾
﴿ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ يَغْفِلِ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) ﴾ ﴿ ﴾
أما قلوب هؤلاء فلم يتفجر منها إلا الحقد الأسود على غيرهم من الشعوب المؤمنة الخيرة. وصدق الله العظيم:
﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَّ وَءَّ لِلَّذِينَ ءَ أَمْنُوا أَلَيْهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ ﴿ ﴾
الذين حرفوا من ضمن ما حرفوا وهو كثير، نعمة الله عليهم بما أرسله لهم من رسل وكتب تهديهم إلى الحق والعمل به، حرفت نفوسهم المريضة تلك النعم
٠ ٨٢: المائدة (٢٦)
٠ ٧٤: البقرة (٢٥)
٠ ١٥٩: الأعراف (٢٤)
إلى امتياز عنصرى، وزين لهم شيطانهم أنهم شعب الله المختار الذى اختارهم لذواتهم وأشخاصهم، مع أن الله كثيراً ما ذكرهم أن تكريمه لهم إنما هو بمقدار تكريمهم للحق وإعلاء كلمة الله فى نفوسهم وانقيادهم التام لأمر الله ونهيه، وإلا فهم كالأنعام بل أضل، لنقرأ هذه الآيات التى تعرض ادعاءاتهم الكاذبة ثم تفندها:
﴿ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ﴾ فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ - أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨٥﴾ بَلَّى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحْطَتْ بِهِ خَطِيئَتَهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴿٨٦﴾ (٢٧)
﴿ وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصْرَىٰ تِلْكَ أَمَانِيَهُمْ ﴾ قُلْ هَاتُوا بُرْهَنْكُمْ إِن كُنتُمْ صَلِّدَيْنَ ﴿٨٧﴾ بَلَّى مَن أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحَسِّنٌ فَلَهُ - أَجْرَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٨٨﴾ (٢٨)
﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصْرَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِكَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٨٩﴾ قُولُوا أَءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أَنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أَنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِكَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُونِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُونِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لَا نُفَرِقُ
(٢٧) البقرة: ٨٠ - ٨١. (٢٨) البقرة: ١١١ - ١١٢.
بين أحد منهم ونحن له مسلمون ﴿٢٩﴾
﴿ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأَمِيَّةِ ﴾
سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٥﴾ بَلِي مَن أَوْفَى بِعَهْدِهِ ﴾
وَأَتَقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٧١﴾ ﴿٣٠﴾
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصْرَى نَحْنُ أَبْنُؤُا ﴾
اللَّهَ وَأَحِبَّؤُهُ قُلْ فَلَمْ يَعْدُّ بِكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتَمْ بَشْرَمَةً مِنْ خَلْقَ يَغْفِرُ ﴾
لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذَّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوْتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿٣١﴾
ثم يبين لهم الله المعيار الصحيح للامتياز والفضل فيقول:
﴿ قُلْ يَتَأْهَلَ الْكِتَابَ لَسَتُمْ عَلَى ﴾
شَيْءٌ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَثَةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴿٣٢﴾
هذا الاعتقاد الخاطئ بتمييزهم العنصري والديني وأنهم شعب الله المختار رسب في نفوسهم نوعاً من الانحراف والإحساس بأنهم نوع خاص من البشر يتفوق على غيره من الشعوب بالذكاء والحكمة وكل شئ. وأن من حقهم وحدهم السيادة على البشر جميعاً.
(٣١) المائدة: ١٨.
(٣٢) المائدة: ٦٨.
(٢٩) البقرة: ١٣٥ - ١٣٦.
(٣٠) آل عمران: ٧٥ - ٧٦.
وقد أدى بهم هذا الاعتقاد الكاذب إلى اعتبار بقية الشعوب كافرة لا تستحق الحياة إلا لخدمتهم وأن كراهيتهم وبغضهم لهذه الشعوب يعتبر تقرباً إلى الله، كما أدى اعتقادهم أن دياناتهم خاصة بهم فضلهم الله بها على البشر، باعتبارهم شعبه الوحيد الذي اصطفاه لنفسه من بين الشعوب، إلى العزلة والاستعلاء والانغلاق على أنفسهم وسد كل سبل التعاون والإخاء مع غيرهم، وأقام حائطاً سميكاً من الكراهية والحقد الشديد بينهم وبين مختلف الشعوب، وعزلة قائمة على الكراهية والعدوان لا المسالة، عزلة المتربص الذي يترقب الفرصة للانقضاض على عدوه.
وهذا الحقد أو حائط الكراهية القائم على الاستعلاء والعنصرية الدينية والجنسية، فيه التفسير الكافي لاضطراب النفسية اليهودية وتوترها الشديد وشعورها الدائم بالقلق والغربة. مما انعكس أثره ليس على علاقتهم بالشعوب الأخرى فقط، وإنما على علاقتهم الداخلية فيما بينهم، وما ترويه أسفارهم يؤكد صدق ما نقول، فهم دائماً كما يقول القرآن الكريم:
﴿ بِأَسْهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ يَحْسِبَهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبَهُمْ شَيْءٌ ﴾ (٣٣)
وسبنوزا الفيلسوف اليهودي يعطينا تحليلاً دقيقاً يفيدنا في تبين أثر النزعة العنصرية في التكوين النفسي والأخلاقي لليهود، يقول: « الفرح الذي يشعر به المرء نتيجة اعتقاده أنه أسمى من الآخرين، إن لم يكن شعوراً طفولياً فإنه لا ينشأ إلا من الحسد أو من القلب الحاقد، مثال ذلك. أن الهناء الحقيقي وسعادة الإنسان لا يكونان إلا في الحكمة وحدها ومعرفة ما هو حق. وليس على الإطلاق في أن يكون أحكم من الآخرين أو في أن يكون الآخرون محرومين من الحكمة. لأن ذلك لن يزيد أبداً من حكمته الخالصة أو من هنائه الحقيقي. فمن يفرح لذلك يفرح لشقاء الآخرين، ويكون حسوداً شريراً لا يعلم الحكمة الحقيقية أو طمأنينة النفس الحقة » (٣٤).
كما يحلل الدكتور فؤاد زكريا ذلك النوع من التعصب الذي يتفرد به اليهود وأثره في تشكيل نفسيتهم وعلاقتهم بالآخرين فيقول بعد أن يعرف التعصب
(٣٣) الحشر: ١٤.
(٣٤) رسالة في اللاهوت والسياسة: ١٧١ - ترجمة حسن حنفي - الهيئة المصرية العامة للتأليف
والنشر ١٩٧١.
السلبي بأنه: « في أساسه نظرة سلبية إلى الغير، والتعصب يتجه بتفكيره إلى الحاق الضرر بالغير أكثر مما يميل إلى تأكيد مزاياه الشخصية أو كسب منفعة لنفسه » (٣٥) فيقول:
« إن من الشائع، عند تحليل الهيكل البنائي للتعصب، أن يقال إن التعصب ينشأ عند الأغلبية ضد الأقلية أولاً، وأن تعصب هذه الأخيرة ليس إلا رد فعل دفاعياً تقوم به لحماية نفسها من الاضطهاد الذي تمارسه عليها الأغلبية.. غير أن هناك حالات قليلة يكشف التحليل الجدلي عن خروجها على هذا النمط المألوف، أعنى حالات يبدأ فيها التعصب لدى الأقلية، وتضطر الأغلبية إلى القيام بردود فعل دفاعية ضدها، أو إلى ممارسة تعصب مضاد أشد وأعنف من التعصب الأصلي، وقد شهد عصرنا الحاضر نموذجاً فريداً لهذا اللون من التعصب في رودسيا وجنوب افريقيا..
على أن تاريخ اليهودية يمكن أن يعد مثالاً صارخاً امتد عبر مئات طويلة من السنين لهذا اللون الفريد من تعصب الأقلية ضد الأغلبية، ومن الجدير بالذكر أن الأقلية اليهودية لم تكن في أية حالة من الحالات أقلية حاكمة مسيطرة على زمام الدولة، كما هي الحال بالنسبة إلى الأوربيين في رودسيا وجنوب افريقيا، وإنما كانت أقلية ضعيفة من الوجهة السياسية، ومع ذلك فقد كانت وهي في حضيض الضعف تمارس نوعاً من الاستفزاز يدفع المجتمع الذي توجد فيه إلى اضطهادها رغماً عنه.
ذلك لأن أسطورة شعب الله المختار، مهما قيل عنها، تقوم بدور حقيقي في التراث اليهودي، صحيح أن المستنيرين من أبناء هذا التراث يحاولون تفسيرها بمعان غير عنصرية، ولكن هناك شواهد قاطعة على أن هذه الأسطورة تكون جزءاً لا يتجزأ من التكوين النفسي لليهودي العادي، وتدفعه إلى أنواع من السلوك لابد أن تؤدي آخر الأمر إلى التصادم بينه وبين مجتمعه..
ولعل أبلغ دليل على ما نقول هو أن اليهود، مهما كان مقدار ضعفهم في مجتمع ما، يرفضون الاندماج في هذا المجتمع، ويعدون هذا الاندماج علامة على انهيارهم، فيعملون على مقاومة هذا الانهيار بكل ما يملكون من قوة، ذلك لأن الاندماج في الأغلبية والحصول على نفس حقوقها على قدم المساواة هو الحلم البعيد
(٣٥) آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة ص ٥٠ - الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٥ م.
الذي تكافح من أجله الأقليات المضطهدة في جميع أرجاء العالم.. أما في حالة الأقلية اليهودية فإن الاندماج يعد في نظرها أفظع الجرائم التي يمكنها أن ترتكبها في حق ذاتها، إنه خيانة للتراث اليهودي وضياع لكل ما هو مميز [ للشعب المختار ]، ومن هنا كانت صعوبة التعامل مع الأقليات اليهودية وحتمية تحول هذا التعامل إلى اضطهاد حتى في المجتمعات التي لم تكن تنوي ممارسة هذا الاضطهاد أصلا، إذ أن هذه المجتمعات لو منحت الأقلية اليهودية حقوقها المتساوية وعملت على إدماجها فيها وإذا بتها ذوبانا تاما، لقوبل هذا الادماج بمقاومة عنيفة منها، ولو تركتها تعيش على هامش الجماعة الكبيرة لارتفع صراخها بالشكوى من الاضطهاد.
وواقع الأمر أن وجود نوع من الإحساس بالظلم والاضطهاد كان ولا يزال جزءاً لا يتجزأ من القوة الدافعة التي ساعدت اليهود على التماسك والاحتفاظ بتراثهم على مر العصور وإذا وعينا هذه الحقيقة جيداً، لتبين لنا أن الوصول إلى تسوية نهائية على أساس التعايش السلمي مع دولة قائمة على أساس عنصري مثل إسرائيل، هو أمر يكاد يكون في حكم المستحيلات « (٣٦).
ويكفينا في هذا المجال أن نعرض بعض مواقف اليهود كما ذكرها القرآن. كنموذج يتضح منه خصائص النفسية اليهودية وأخلاقها، وقد راعينا أن تكون تلك المواقف، متفقة مع ما ذكرته أسفارهم التي هي في الواقع أكثر إسهاباً في رسم صورة قائمة ومفزعة لأخلاق اليهود وطباعهم:
فقد كان فرعون يقتل أبناءهم ويستحيى نساءهم، ويسومهم سوء العذاب والذل والهوان، ولما نجاهم الله من كل هذا. وقبل أن تجف نعالهم من رطب قاع البحر الذي شقه الله لنجاتهم، تمنوا أن يصنع لهم موسى صنماً يعبدوه:
﴿ وَجَوْزَنَا بِبَنِيَ ﴾
إِسْرَءِيلَ الْبَحْرَ فَاتُواْعَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُواْ يَمُوسَى
اَجْعَلَ لَنَا إِلَيْهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةً قَالَ إِنْكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿١٣٨﴾ إِنَّ هَذَؤُلَاءَ
مُتَبَرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿١٣٩﴾ قَالَ أَغْيَرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ
إِلَهَا وَهُوَ فَضَلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿١٤٥﴾ وَإِذَا أَنْجَيْنَكُمْ مِّنْ أَلِ فِرْعَوْنَ يُسُومُونَكُمْ سُوءًا الْعَذَابِ يُقْتِلُونَ أَبْنَاءً كُمْ وَيُسْتَحِيُّونَ نِسَاءً كُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءً مِّنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿١٤٦﴾ (٣٧)
وقبل الله توبتهم على إثم قلوبهم وفساد أمنياتهم، ولكن لم يكد موسى عليه السلام يتركهم لتلقى الوحي الذي يهديهم ويحقق لهم السعادة، حتى انتقلوا من التمنى إلى الفعل. فصنعوا بأيديهم عجلا وخروا له ساجدين:
﴿ وَأَتَخَذَ قَوْمٌ مُوسَى مِنْ ﴾
بَعْدَهُ مِنْ حُلِيِّهِمْ عَجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارًا لَمْ يَرُوَا أَنَّهُ لَا يَكْلِمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهُمْ سَيِّدًا أَتَخَذُوهُ وَكَانُوا ظَلِيمِينَ ﴿١٤٨﴾ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأُوا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَهُنَّ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرُ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ أَخْلُسِرِينَ ﴿١٤٩﴾ (٣٨)
وما كادوا ينعمون برحمة الله، حتى غلبت عليهم شكوكهم وطباعهم المادية، فقالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى لك بعيوننا:
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى ﴾
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذْتُكُمُ الصِّلْعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴿١٥٠﴾ ثُمَّ بَعْثَنَكُمْ مِّنْ بَعْدِ مُوتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٥١﴾ (٣٩)
(٣٧) الأعراف ١٣٨ - ١٤١.
(٣٨) الأعراف ١٤٨ - ١٤٩.
(٣٩) البقرة: ٥٥ - ٥٦.
ولكنهم لم يشكروا، بل ولم يصبروا على الحرية التي منحها الله لهم بخلاصهم من استعباد فرعون، مع قليل من التقشف، فصرخوا في وجه موسى وهارون « ليتنا متنا بيد الرب في أرض مصر. إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزاً للشبع، فإنكما أخر جتانا إلى هذا القفر » (٤٠).
ورحم الله ضعفهم، وفجر لهم من الأحجار عيوناً، وأنزل عليهم المن والسلوى:
﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذَا سَنَسْتَمْنُهُ قَوْمُهُ إِنَّ اضْرِبَ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَأَنْبَجَسْتَمْنُهُ أَنْتَنَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أَنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمْ الْغَمْمُ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلُوئُ كُلُّوا مِنْ طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَّمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسُهُمْ يَظْلِمُونَ ١٦٠ ﴾ (٤٠)
نعم ظلموا أنفسهم، فكما لم يصبروا على البلاء لم يصبروا على النعمة. فلما شبعوا ورووا ملأ البطر نفوسهم فطلبوا الذى هو أدنى بالذى هو خير:
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ ﴾
يَمُوسَىٰ لَنْ نَصِيرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِتَابِهَا وَفُومِهَا وَعَدَّسَهَا وَبَصِلَهَا قَالَ أَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ أَهْبَطُوا مِصْرَ افْإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الدَّلَةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ
(٤٠) سفر الخروج ١٦: ٢ - ٣.
(٤١) الأعراف: ١٦٠.
الله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِكَانِتِ الله وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوَا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٤١﴾
وضربت عليهم الذلة والمسكنة التي ملكت قلوبهم على أبواب مصر التي وعدهم الله بها والتي فيها ما يشتهون. فما رأوا أهلها حتى قالوا لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَلْقَوْمَ ﴾
أَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَءَاتَكُمْ مَالَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ ﴿٤٢﴾ يَلْقَوْمَ أَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَيْسِرِينَ ﴿٤٣﴾ قَالُوا يَلْمُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَخُلُونَ ﴿٤٤﴾ قَالَ رَجُلًا مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٤٥﴾ قَالُوا يَلْمُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَلْتِلَا إِنَّا هَلْهَنَا قَلْعِدُونَ ﴿٤٦﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِيَّ فَأَفْرِقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَنِيقِينَ ﴿٤٧﴾ قَالَ فَإِنَّهَا مُحْرَمَةٌ عَلَيْهِمُ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتَّيِهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى
وأخيراً دخلوا فلسطين. ولما يدخل الإيمان في قلوبهم. فلم تزدهم النعمة إلا عتواً وفساداً، فحاق بهم من الذل والهوان على يد الفلسطينيين مثل ما حاق بهم على يد المصريين، ولما ضاقت عليهم أنفسهم بسوء ما كسبت وضاقت عليهم الأرض بالشر الذي صنعوه عليها، ولا حت لهم نهايتهم، فزعوا إلى نبي لهم ليول عليهم من ينتشلهم من قاع الرذيلة والهوان، وعاهدوا الله على الطاعة والولاء. فلما اختار لهم الله المنقذ، لم تصبر نفوسهم على الجدل والعناد، فقالوا: ما هذا بملك، إنه ليس أعزنا مالا ولا جاهاً، ولما سفه نبيهم مقاييسهم المادية للأمور، لم يقبلوا حتى يأتيهم باية من الله تشهدها عيونهم وتطمئن بها قلوبهم، ولما أيد الله من اختاره ملكاً عليهم بما طلبوا، ساروا معه كارهين، ولم يلبثوا من أول اختبار لعزيمتهم وصدقهم في الجهاد أن سقطوا إلا القليل الذين آمنوا وصدقوا الله ما وعدوه:
الْمَ تَرَ إِلَى ﴿١٤٣﴾
الْمَلَامِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِي لَهُمْ أَبْعَثُ لَنَا مَلِكًا نُقَيْتَلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسِيتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلَا تُقَيْتَلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَا نُقَيْتَلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيزِنَا وَأَبْنَا إِينَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلَيْمٌ بِالظَّلِيمِينَ (٢٤) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيَهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنِّي يَكُونُ لَهُ الْمَلُكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمَلُكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بِسَطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ
(٤٣) المائدة: ٢٠ - ٢٦، وانظروا سفر العدد ١٣، ١٤.
مَنْ يَشَاءُ وَآلَهُ وَاسْحَ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيَهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ انْ يَأْتِيكُمْ آلَتَابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَدُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَا يَةَ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَّ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ آلَهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ رَمِنِّي إِلَّا مِنْ آغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدَهَ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظْنُونَ أَنَّهُمْ مُلْقُوا آلَهَ كَمْ مِّنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ آلَهَ وَآلَهَ مَعَ الصَّبْرِينَ (٢٤٩)
هذه بعض الصور التي ذكرها القرآن عن أخلاق اليهود واعتقاداتهم. نقدم بعدها صورة أخيرة رسمها « التلمود » الذي هو عندهم أكثر قداسة من التوراة، يتضح فيها البعد النفسي والأخلاقي والعقدي للشخصية اليهودية، يقول التلمود:
« النهار اثنتا عشرة ساعة - في الثلاث الأولى منها يجلس الله، ويطالع الشريعة، وفي الثلاث الثانية يحكم، وفي الثلاث الثالثة يطعم العالم، وفي الثلاث الأخيرة يجلس ويلعب مع الحوت.
يندم الله على تركه اليهود في حالة التعاسة حتى إنه يلطم وييكي كل يوم فتسقط من عينيه دمعتان في البحر فيسمع دويها من بدأ العالم إلى نهايته. وتضطرب المياه وترتجف الأرض في أغلب الأوقات فتحصل الزلازل.
(٤٤) البقرة: ٢٤٦ - ٢٤٩.
خلق الله الشياطين يوم الجمعة حين خيم الظلام، ولم يخلق لهم أجساداً ولا ملابس، لأن يوم السبت كان قريباً ولم يكن لديه الوقت الكافي ليعمل كل ذلك.
تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله، كما أن الإبن جزء من أبيه ومن ثم كانت أرواح اليهود أعز على الله من باقي الأرواح. لا يدخل الجنة إلا اليهود. أما النار فهي مأوى الكفار، ولا نصيب لهم فيه سوى البكاء لما فيه من الظلام والعفونة والطين.
الفرق بين درجة الإنسان والحيوان، كالفرق بين اليهود وباقي الشعوب، والدنيا بما فيها ملك لليهود، ولهم عليها حق التسلط ولهم مطلق التصرف في كل شئ.
يسمح بغش غير اليهودي وأخذ ماله بواسطة الربا الفاحش، ولكن إذا بعت أو اشتريت من أخيك اليهودي شيئاً فلا تخدعه ولا تغشه.
إن الله لا يغفر ذنباً ليهودي يرد لأمي ماله المفقود وغير جائز رد الأشياء المفقودة من الأجانب، غير مصرح لليهودي أن يقرض الأجنبي إلا بالربا.
لا يخطئ اليهودي إذا انتهك عرض الأجنبي، فكل إمرأة ليست من بني إسرائيل بهيمة. وكل من ليس يهودياً أجنبي. وكل عقد نكاح لغير اليهود فاسد، وإذا زنى اليهودي بامرأة مسيحية فلا يكون قد ارتكب محرماً، بل إن لليهود الحق في اغتصاب غير اليهوديات، ليس للمرأة اليهودية أن تبدى أية شكوى إذا زنى زوجها بأجنبية في المسكن القيم فيه مع زوجته.
على اليهودي أن يؤدي عشرين يميناً كاذبة ولا يعرض أحد إخوانه اليهود لضرر ما.
على اليهود أن يعاملوا المسيحيين كحيوانات دنيئة غير عاقلة.
الخارجون عن دين اليهود خنازير نمسة. وخلق الله الأجنبي على هيئة إنسان ليكون لائقاً لخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا من أجلهم.
ليس من العدل أن يشفق اليهودي على أعدائه ويرحمهم.
غير مصرح لليهودي أن يوجه السلام إلى الكافر إلا إذا كان يخشى ضرره أو عداوته. والنفاق جائز ولا بأس من ادعاء محبة الكافر إذا خاف
اليهودي من أذاه (٤٥) ».
هذه هي أخلاق اليهود تقوم على ركيزة أساسية، وهي المادية المفرطة وحب الذات. وهذا هو الأساس لكل الرذائل التي اتسمت بها أخلاقهم سواء مع أنبيائهم أو في أنفسهم، أو مع غيرهم من الشعوب الأخرى.
-
فمع أنبيائهم: كان الإيداء والقتل والشك والعصيان والميل إلى الوثنية والالحاد وتحريف شريعة الله.
-
وفي أنفسهم: الجبن والقلق والتردد والاحساس بالغربة والخوف من الآخرين.
-
ومع غيرهم من الشعوب: الحقد والكراهية والاستعلاء بالباطل والتربص وعدم المسالمة.
(٤٥) سياسة الاستعمار والصهيونية ص ٧ هامش ٥، حسن صبرى الخولى، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٣.