الخاتمة
تعالى الله عن عقولنا الناقصة أن تقنن أفعاله أو تكيفها. فقد أنزل في القرآن وعده ووعيده، ونحن نخشى وعيده ونرجو وعده ولا شأن لنا بغير هذا.
سادساً: التحسين والتقييح:
قال: ( الواجبات كلها سمعية والعقل لا يوجب شيئاً ولا يقتضي تحسيناً لا تقبيحاً، فمعرفة الله تعالى بالعقل تحصل، وبالسمع تجب. قال الله تعالى: ولا يجب على الله شئ ما بالعقل، لا الصلاح ولا الأصلح ولا اللطف ) (٦٥).
هذه هي أهم مبادئ الأشعرية وأصولها الكلامية.
وبعد، فإننا نود أن نختم القول، بالتنبيه على أن الفرق في الإسلام كما عرضناها، كانوا الثمرة المرة التي جناها المسلمون من وراء علولهم عن النهج الصحيح، كما أتى به الإسلام والتزمه السلف الصالح ومن تأسي بهم وسار على هديهم، ذلك المنهج هو، إسلام القلب والعقل لله ورسوله، الذي لم يترك الدنيا حتى نزلت شهادة السماء بكمال الإسلام:
﴿ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾
وَأَتَمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الْإِسْلَامُ دِينًا فَمِنْ أَضْطُرَّ فِي مُخْمَصَةٍ
غير متجانف لَا نُمْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٦)
فكان سلفنا الصالح يؤمنون بكماله ويوجهون كل نشاطهم لتحقيق هذا الكمال في قولهم وعملهم، والارتفاع بمستوى سلوكهم إلى مستوى كلمة الإسلام، إلى أن انحرف المسلمون عن هذا المنهج القويم، فأخضعوا الكلمة للعقل، وأنزلوا الكلمة من عليائها وكمالها إلى مستوى عقولهم الناقصة. فجعلوا الكلمة كلاماً، فافترقوا وتنابزوا وضعف شأنهم وقل وزنهم بين الأمم.
(٦٥) السابق ١/٩٣.
(٦٦) المائدة: ٣.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ (٦٧)
﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيعًا لَسَتْ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ ﴾ (٦٨)
﴿ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَيِّنُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾
وبعد..
فإنني أرجو أن يكون ما قدمته من مقدمات ومقارنات ونتائج، قد انتهى إلى توضيح ما قصدت إليه من التمييز بين الملة والنحلة في الأديان الثلاثة، والذى يمكن إجمال القول فيه بالتأكيد على ذلك الفرق الجوهري بين وضع الملة والنحلة في الإسلام، وبين وضعهما في اليهودية والمسيحية.
فإنه بينما قد أصبح من المسلم به اختلاط كلام البشر بكلام الله في التراث الديني لليهودية والمسيحية بشكل يستحيل معه تمييز الملة من النحلة فيه، إلا بالاعتماد على معيار خارج هذا التراث، يمكن به فقط الترجيح وليس القطع في هذا التمييز، وإن كان يمكن اعتماداً على هذا المعيار وعلى النظر الموضوعي في هذا التراث نفسه، الجزم بتحريفه وتبديله وتغييره عن وضعه الأصلي، وأن النحلة أو الآراء طمست وجه الملة أو كلمة الوحي فيه.
نجد على العكس من ذلك تمييزاً وتمييزاً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض بين الملة والنحلة، أو كلمة الوحي وكلمة البشر في الإسلام، فلم يحدث في لحظة ما، منذ نزول الوحي وحتى الآن، أن اختلط على المسلمين، لا في أفهامهم ولا في لسانهم ولا في ذاكرتهم ولا في كتاباتهم، التمييز بين القرآن الذى يمثل وحده عندهم كلام الله كما نزل به الوحي، وبين كلام غيره من البشر، وظل القرآن منذ نزل لم يختلط به رواية ودراية أو حفظاً وكتابة شيء من كلام البشر، الذى
(٦٧) الرعد: ١١.
(٦٨) الأنعام: ١٥٩.
مهما بلغ قائله لا يعدو عند علماء المسلمين وعامتهم أن يكون قولاً يحتمل الصواب والخطأ والقبول والرد، وظلت على الدوام آراء الفرق الإسلامية ومذاهبها ومناهجها في فهم النصوص وتأويلها، في نظر المسلمين لا تخرج عن كونها نحل ودعاوى تحتمل الصواب والخطأ والقبول والرد، وتخضع في نقدها وتقويمها لكلمة الوحي التي لا يمثلها بيقين عند كل أحد من المسلمين إلا القرآن الكريم.
ومن جهة أخرى، فإنه بينها كان في اختلاط الملة بالنحلة وكلمة الله بكلمة. البشر في الديانة اليهودية والمسيحية الدليل والمسوغ للحكم عليهما بالتحريف والتبديل واختلاف نهايتهما عن بدايتهما، فإن النحلة في الإسلام، وإن غشت عقول بعض المسلمين في فهم الملة أو الدين كما نزل به الوحي، إلا أن كتابه المقدس ظل محفوظاً معصوماً من التبديل والتحريف، وظلت الملة فيه مميزة ومتميزة في وضوح لا لبس فيه عن النحلة، تلك النحلة التي لم تكتسب يوماً واحداً، عصمة الوحي وقداسته، على خلاف ما اكتسبته النحلة من مكانة وقداسة في اليهودية والمسيحية، وظل القرآن الكريم معياراً فوقياً متفرداً بالقوامة في نقد ما عداه من التراث الديني والثقافي والأخلاقي للمسلمين، وتقويم هذا التراث الذي يعتمد في صحته وقبوله على تركية القرآن، أو يلقى مصيره المحتوم من الإهمال والنسيان. وكان في هذا التمييز والتمييز الدليل والمسوغ للحكم بأن الإسلام كدين سماوي، ظل محفوظاً من التبديل والتحريف والتغيير كيوم نزل، وأنه يتفرد عن الأديان الأخرى بكتابه الذي لم تمسه يد التحريف وتوفرت له كل عوامل الحفظ في الذاكرة والكتابة واللسان، وظل باقياً كمعيار قائم وشاهد دائم على استقامة المسلمين وانحرافهم، ومتفرداً بالقوامة والهيمنة على غيره من الكتب والأديان والمعتقدات والمذاهب، أو على الأفكار والأقوال والأعمال، وسيبقى للعلماء وغيرهم معياراً يميزون به بين الملة والنحلة وكلام الله وكلام البشر في كل حين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين الذى هدانا بفضله إلى الإسلام.