حمدي عبد العالorigins.faith
النص العربي مستخرج آلياً من نسخة ممسوحة؛ قد تقع أخطاء، خاصة في الآيات والحواشي. إن رأيت خطأً فاضغط «أبلغ عن خطأ» في الصفحة. الآراء الواردة في الكتاب آراء المؤلف.

الإسرائيليون في فلسطين

الإسرائيليون في فلسطين

ويمكن تقسيم تاريخهم في فلسطين، استخلاصاً من مصادرهم مقارناً بما ذكره القرآن في هذا الشأن، إلى ثلاث فترات، تبدأ بعصر القضاة، ثم عصر الملوك، وأخيراً عهد الانقسام والتشتت.

أولاً: عصر القضاة:

بعد وفاة موسى عليه السلام، قام بأمر بني إسرائيل يوشع بن نون يعاونه ألعاذار بن هارون، كما أمر موسى، وقد دخل بهم فلسطين عنوة وتم له الاستيلاء على أريحا والمناطق المجاورة لها، بعد أن أباد أهلها، ثم قسم الأرض التي استولى عليها بين الأسباط كما أمر موسى عليه السلام، وظل يوشع يرعى شئون الشعب الذي دان له بالطاعة والولاء طول حياته، وبعد موته لم يعين الشعب من يخلفه، واستقل كل سبط بإدارة شئونه واختار من بين شيوخه نقيباً عهد إليه بقيادة الجيش وتعيين القضاة الذين يفصلون بين أبناء السبط حسب الشريعة، ويلاحظون تطبيقها، وهكذا بدأ ما يعرف في التاريخ اليهودي بعصر القضاة الذي استمر ثلاثة قرون تقريباً والذي يمكن إجمال سماته فيما يلي:

١ - كان كل سبط له استقلاله الذاتي في شئون الأرض والدفاع والقضاء، ويقوم على أمره نقيب يتولى قيادة جيشه وتعيين قضاته، ويعتبر النقيب قاضي القضاة في سبطة، وبهذا كانت الأسباط أقرب إلى دويلات حليفة منها إلى دولة موحدة.

٢ - كانت الشريعة هي الحكم الذين يدين له الجميع بالطاعة، والمظهر الوحيد لوحدة الأسباط، والنقباء أو القضاة يقومون بمهمة مراقبة الشعب في التزامه بتطبيق الشريعة، فإذا خرج نقيب أو سبط من الأسباط على حدود الشريعة عامله باقي الأسباط كعدو يجب محاربته لنقضه العهد.

٣ - كثرة النزاعات بين الأسباط وعدم الاستقرار الداخلي، ولعل الاستقلال الذاتي للأسباط من جهة، وتضامنهم في التزام الشريعة وتنفيذها من جهة أخرى، يفسر لنا كثرة النزاعات والحروب الأهلية التي تعتبر السمة البارزة لعصر القضاة، كما يفسر لنا كيف أن بعض الأسباط كان يحارب أحياناً الأعداء

الخارجيين منفرداً دون باقي الأسباط، وكانت هزيمته أو انتصاره لا يعني هزيمة باقي الأسباط أو انتصارهم.

٤ - كان يتكون من النقباء في بعض الفترات خصوصاً عند محاربة الأسباط لعدو مشترك، مجلس أعلى للحرب والقضاء، له سلطة عليا على كل الإسرائيليين، وعند اختلاف هذا المجلس، أو حين تعرض له مشكلة يستعصى عليه حلها، كان يلجأ إلى الكاهن أو المفسر الأعظم للشريعة لبيان حكم الله فيها، فهو الوحيد الذي يستطيع مخاطبة الله وتلقى ردوده على ما يقدمه النقباء من أسئلة، ولكن هذه الردود التي يأتي بها الكاهن، لا تصبح ملزمة إلا إذا أقرها النقباء، وهنا فقط تصبح ملزمة لكل القضاة والمخالف لها يقتل فوراً، ومعنى هذا أن تفسير الكاهن أو ردوده التي يتلقاها من الله، لا تصبح قانوناً إلهياً واجب التنفيذ إلا حين يقرها النقباء. فإذا لم يقبلها النقباء تصبح غير ملزمة لأحد ولا قيمة لها. مما يعني في الواقع أن المشرع الحقيقي هم الكهان أو الأحبار.

وكان من حق القاضي أو النقيب أن يلجأ إلى الكاهن مباشرة في الأمور التي تخص سبطه ويستعصى عليه حلها، باعتبار الكاهن الأعظم هو المفسر للقوانين الإلهية، والمستشار الديني لكل الأسباط.

والواقع أنه طبقاً لما ورد في التوراة، فإن موسى عليه السلام هو الذي وضع أصول هذا النظام لبني إسرائيل(١٠)، وهذا كله يتم عند عدم وجود نبي، أما إذا بعث فيهم نبي وقد يكون قاضياً قبل بعثته، فإنه يكون المرجع الوحيد فيما يخص الشريعة وتفسيرها.

ولكن لا يعترف به نبياً إلا إذا صدقه النقباء وإلا قتل فوراً، وهذا يفسر لنا ظاهرة قتل الإسرائيليين لكثير من أنبيائهم كما تحدث القرآن في قوله تعالى:

﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الدَّلَةُ وَالْمَسَكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ﴾

الله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتَلُونَ النَّبِيِّينَ ﴾

بِغَيْرِ الْحَيِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوَا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿١١﴾

(١١) البقرة: ٦١.

(١٠) انظر سفر الخروج ١٨.

وكما تحدث سفر القضاة فيذكر أنهم كانوا كثير التمرد على قضاتهم وأنبيائهم.

وعرف هذا العصر بالكفر والالحاد والزندقة، خذ مثلاً ما جاء في سفر القضاة الاصحاح ٢: « وفعل بنو إسرائيل الشرفي عيني الرب وعبدوا البلعيم وتركوا إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر وساروا وراء آلهة أخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم وسجدوا لها وأغاظوا الرب، ولقضاتهم أيضاً لم يسمعوا بل زنوا وراء آلهة أخرى ».

وظل هذا حال بنى إسرائيل طول عصر القضاة إلى أن لحق الفساد بالقضاة أنفسهم الذين استغلوا مناصبهم للكسب والرشوة فكان قضاؤهم تبعاً لهواهم ومصالحهم الشخصية. فضاعت هييتهم في نفوس الشعب، وازداد الفساد والالحاد بين الإسرائيليين حتى أصبحت الشريعة أو نظام القضاة غير صالح في توحيد الشعب، وحدث أن هزم الإسرائيليون أمام الفلسطينيين الذين استولوا على التابوت المقدس، حيث كان الإسرائيليون يأخذونه معهم في المعارك الكبرى للاستنصار به وشد أزرهم في القتال.

حينئذ طلب الشعب من نبي لهم يدعى صموئيل أن يختار لهم ملكاً يحكم ويقيم النظام بينهم ويوحد صفوفهم كما تحكم الشعوب الأخرى، ولنقرأ ما يقوله سفر صموئيل الأول عن هذه الفترة، يقول:

« وكان لما شاخ صموئيل أنه جعل بنيه قضاة لإسرائيل. ولم يسلك ابناه في طريقه بل مالا وراء الكسب وأخذوا رشوة وعوجا القضاء، فاجتمع شيوخ إسرائيل وجاءوا إلى صموئيل.. وقالوا له، هو ذا أنت قد شخت وإبناك لم يسيرا في طريقك فالآن اجعل لنا ملكا يقضى لنا كسائر الشعوب. فساء الأمر في عيني صموئيل، إذ قالوا اعطنا ملكا يقضى لنا، وصلى صموئيل إلى الرب فقال الرب: اسمع لصوت الشعب في كل ما يقولون لك، لأنهم لم يرفضوكم أنت بل إياى رفضوا حتى لا أملك عليهم حسب كل أعمالهم التي عملوا من يوم أصعدتهم من أرض مصر إلى هذا اليوم وتركوني وعبدوا آلهة أخرى » (١٢).

وهكذا بدأ العصر الثاني بعد انهيار عصر القضاة ويتحدث القرآن عن

(١٢) الإصحاح ٨: ١ - ٩، وانظر الإصحاح: ٤ - ٦، الذي يتحدث عن استيلاء الفلسطينيين على التابوت المقدس، مما يعد إشارة لها دلالتها على فقد التوراة في مرحلة متقدمة من تاريخ بني إسرائيل.

الْمَلَامِ مِنْ بَنِي إِسْرَاءِ لِيَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِي لَهُمْ أَبْعَثُ لَنَا مَلِكًا نُقَلِيلٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَبَتْمَ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ أَلْقِتَالُ الْآلَاتُ نُقَلِيلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا الْآلَاتُ نُقَلِيلٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أَخْرِجْنَا مِنْ دِيْرِنَا وَأَبْنَا إِينَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ أَلْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِيمِينَ ﴿٤٤﴾ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيَّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنِّي يَكُونُ لَهُ أَلْمَلُكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمَلُكِ مِنْهُ وَلَمْ يَوْتَ سَعَةً مِنَ أَلْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بِسَطَةً فِي أَلْعِلْمِ وَأَلْجُسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسْعَ عَلِيمٌ ﴿٤٤﴾ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيَّهُمْ إِنَّ اللَّهَ مَلْكَهُ أَنْ يَأْتِيَكُمُ أَلْتَابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَةٌ مِمَّا تَرَكَ اللَّهَ الْ مُوسَى وَالْهَدُونَ تَحْمِلُهُ أَلْمَلَكَكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٤٤﴾ فَلَمَّا فَصَلَّ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مِنْ أَغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدَهَ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ الْمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةُ لَنَا أَلْيُومَ بِجَالُوتَ وَجُنُودَهُ قَالَ الَّذِينَ يَظْنُونَ أَنَّهُمْ مُلْكُوا اللَّهَ كَمْ مِنْ فِئَةِ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ

لَّهُ وَآلَهُ مَعَ الصَّيْرِينَ (١٤٥) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِيرِينَ (١٤٥) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ آلَهَ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَءَاتَهُ آلَهَ الْمُلْكُ وَالْحَكَمَةُ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ آلَهَ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ آلَهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ (١٤٥) ﴿١٣﴾

ثانياً: عصر الملوك:

١ - شاؤول: وهو الذي يسميه القرآن «طالوت».

وقد اختاره صموئيل بتوجيه من الرب ملكاً على بني إسرائيل، ولما طالب الشعب مبايعته كان ردهم كما يتحدث به القرآن الكريم:

﴿ قَالُوا أَنِّي يَكُونُ لَهُ ﴾

الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ آلَهَ أَصْطَفَتْهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بِسَطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَآلَهَ يُؤْتَى مُلْكُهُ مَنْ يَشَاءُ وَآلَهَ وَاسْعُ عَلَيْمٌ (١٤٤)

فاستجاب له الشعب على كره من كثير منهم، وقادهم طالوت في معارك ناجحة حتى تم له الانتصار على عدوهم على يد داود عليه السلام الذي حسم المعارك بقتله قائدهم جالوت، وتلك القصة يتفق القرآن مع العهد القديم في مضمونها، إلا أن أسفار اليهود تعرض لتفاصيل كثيرة عن الصراع الدموي بين طالوت وداود بعد الانتصار على الفلسطينيين، ثم استمرار الصراع بين داود وأبناء شاؤول إلى أن

(١٣) البقرة: ٢٤٦ - ٢٥١.

(١٤) البقرة: ٢٤٧.

تم الأمر لداود بذبح أبناء شاؤول وقوادهم، وتنصيبه ملكاً على بنى إسرائيل كلها(١٥) وفى هذا فإن لغة القرآن تفترق عن التوراة فى الحديث عن داود عليه السلام، حيث يتحدث القرآن عنه كنبى يتصف بكل ما يتصف به النبى من النبل ومكارم الأخلاق، بينما تتحدث عنه التوراة كملك يتصف بكل ما يتصف به ملك جبار من القسوة والبطش. وهذا أمر له دلالته العميقة فى التمييز بين لغة الوحى ولغة البشر.

٢ - داود عليه السلام:

وبهذا أصبح داود الملك الثانى على بنى إسرائيل، وبعد أن استتب له الأمر ودان له الشعب بالطاعة والولاء، إنجه إلى إخضاع الممالك المجاورة فى فلسطين وتم له الإستيلاء على أهم مدنها وهى أورشليم التى أصبحت عاصمة إسرائيل فى عهده وعهد سليمان عليهما السلام(١٦).

٣ - سليمان عليه السلام:

وقد بدأ حكمه كما يقول سفر الملوك الأول، بقتل أخيه الأكبر وقائد الجيش، وبعدها استتب له الملك والسيادة وخضع له الشعب ودان له بالطاعة والولاء، وقد أدار سليمان شئون الدولة بمنكة وحكمة هيأت له ترسيخ أقدامه فى كل الأرض التى فتحها داود، وزاد عليها، ونعمت الدولة فى عهده بالاستقرار والازدهار والاحترام من الدول المجاورة، حتى تقرب إليه فرعون مصر بالمصاهرة، وهذا أمر له دلالته على قوة سليمان، فلا يمكن أن يعطى فرعون مصر ابنته زوجة لسيمان إلا إذا كان قد بلغ ملكه من القوة حداً جعله نداً لملك عظيم مثل فرعون.

وقد هيأ ذلك لسليمان تحقيق أهم حدث فى تاريخ الإسرائيليين بعد موسى عليه السلام، وهو بناء الهيكل المقدس فى أورشليم: « وكان فى سنة الأربع مئة والثمانين لخروج بنى إسرائيل من أرض مصر فى السنة الرابعة لملك سليمان عليه السلام »(١٧) وتم نقل التابوت المقدس إليه و « لم يكن فى التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى هناك فى حوريب حين عاهد الرب بنى إسرائيل عند خروجهم من أرض مصر »(١٨).

(١٥) انظر صموئيل الأول والثانى.

(١٦) انظر سفر صموئيل الثانى.

(١٧) سفر الملوك الأول ٦: ١.

(١٨) سفر الملوك الأول ٨: ٩.

وكما هو الشأن في بنى إسرائيل، وطبقاً لأسفارهم، فإن سليمان لما تقدمت به السن وخفت قبضته على أعناقهم تمرد عليه الشعب وتطلعوا إلى ملك جديد فتأمر عليه أبنه يربعام ومعه كثير من شيوخ بنى إسرائيل، ولكنه فر من وجه أبيه إلى مصر حين انكشف أمره، كما تمرد عليه كثير من الممالك التي كانت في يده.

وهكذا مات سليمان كما يقول سفر الملوك الأول، وقد تقلص ملكه إلى أقل مما ورثه عن أبيه داود عليه السلام.

والواقع أن تمرد الإسرائيليين ظاهرة بارزة في تاريخهم كله، كما تعرضه أسفارهم، حيث نجد علاقتهم بحكامهم، سواء كانوا أنبياء أو قضاة أو ملوك، علاقة تقوم على العداء والتربص وكأنها علاقة بين طرفين متناقضين الغلبة فيها للأقوى، بمعنى أنه ما من نبي أو قاض أو ملك، إلا ويأتي عقب عصيان وتمرد وينتهى أمره بالعصيان والتمرد.

والحاكم لا يستتب له الحكم عليهم إلا بمقدار ما فيه من بطش وقوة، وبمقدار ما فيه من بأس يكون مقدار طاعتهم وولائهم له، ولكن عند أول بادرة ضعف أو تسامح أو حين تخف قبضته عن رقابهم، يتمرد عليه الشعب ويستهين به، وينتهى أمره إما إلى القتل أو إلى زوايا النسيان والإهمال وظل هذا حالهم حتى إنتهى الأمر بدولتهم إلى التفكك والإضمحلال.

ثالثاً: عهد الانقسام:

فإنه بعد موت سليمان عليه السلام سنة ٩٣٥ ق م تقريباً، إجتمع الشعب في أورشليم لتنصيب رحبعام مكان أبيه، ولكنهم اشترطوا عليه أن يرفع عن كواهلهم الكثير مما فرضه عليهم سليمان من أحكام، ولكنه رفض ذلك، فانحاز معظم الشعب إلى أخيه يربعام الذي عاد من مصر بعد موت أبيه ولم يبق مع رحبعام سوى سبط يهوذا.

وبهذا انقسمت الدولة بين ابنى سليمان عليه السلام إلى دولتين متنازعتين.

إحداهما في الشمال وتسمى إسرائيل، وعاصمتها شكيم التي بناها يربعام لتكون عاصمة ملكه.

والأخرى في الجنوب وتسمى يهوذا وعاصمتها أورشليم وملكها رحبهام.

ولم يتوقف القتال الذي سالت فيه دماء الإسرائيليين أنهاراً، بين الدولتين، كما يقول سفر الملوك الأول: « وكانت حرب بين رحبعام ويربعام كل الأيام ». حتى انتهى المال بالإسرائيليين إلى الشتات والتشرد في الآفاق.

ولم يجتمع الأخوان على شئ، اللهم إلا إتفاقهما في تحريف الشريعة والإلحاد وعبادة الأوثان.

فبالنسبة ليربعام يقول سفر الملوك الأول [ ١٢: ٢٥: ٢٨ ]: « وبنى يربعام شكيم.. وقال في قلبه.. إن صعد هذا الشعب ليقربوا ذبائح في بيت الرب في أورشليم، يرجع قلب هذا الشعب إلى رحبعام ملك يهوذا ويقتلونني.. فاستشار الملك وعمل عجلى ذهب وقال لهم كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم، هوذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر ».

وأما رحبعام فلم يكن أحسن حالاً من أخيه، يقول عنه سفر الملوك الأول [ ١٤: ٢١ - ٢٤ ].

« وأما رحبعام بن سليمان فملك في يهوذا، وكان رحبعام ابن إحدى وأربعين سنة حين ملك وملك سبعة عشر سنة في أورشليم المدينة التي اختارها الرب لوضع اسمه فيها من جميع أسباط بنى إسرائيل.. وعمل يهوذا الشر في عيني الرب وأغاروه أكثر من جميع ما عمل آباؤهم بخطاياهم التي أخطأوا بها، وبنواهم أيضاً لأنفسهم مرتفعات وأنصاباً وسواري على كل تل مرتفع وتحت كل شجرة خضراء، وكان أيضاً مأبونون في الأرض: فعلوا حسب كل أرجاس الأمم الذين طردهم الرب من أمام بنى إسرائيل ».

ومما تجدر الإشارة إليه هنا أنه بالإضافة إلى ذلك الفساد، بل ربما نتيجة له، فقد تم في عهد رحبعام أول تدمير للهيكل الذي بناه سليمان ووضع فيه التابوت المقدس الذي يحتوى التوراة، على يد المصريين ولعل ذلك كان بإيعاز من يربعام، ويعد ذلك المرة الثانية التي تفقد فيها التوراة، يقول سفر الملوك الأول [ ١٤: ٢٥ ]

« وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وأخذ خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك وأخذ كل شئ.. »

وبإنقسام الدولة وإنخلاها دينياً، أصبح تاريخ بنى إسرائيل سلسلة متصلة من المعارك والهزائم، سواء فيما بينهم أو مع جيرانهم، إلى أن قضى الله على بني إسرائيل كشعب وكدولة على يد بختنصر ملك بابل الذي قضى عليهم قضاءاً مبرماً ومن بقى منهم اتخذهم عبيداً له، وهو ما يعرف في تاريخ اليهود بالأسر البابلي سنة ٥٨٦ ق م تقريباً، وفيه تم التدمير الثاني للهيكل ولأورشليم كلها، وقد وصف سفر الملوك الثاني ٢٥، ما فعله بختنصر بالإسرائيليين خير وصف، ويكفينا أن نقتبس منه هذه الفقرة:

« وفي الشهر الخامس، وهي السنة التاسعة عشر للملك نبوخذ ناصر ملك بابل، جاء بنوزرادان رئيس الشرطة عبد ملك بابل إلى أورشليم وأحرق بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشليم وكل بيوت العظماء أحرقها بالنار وجميع أسوار أورشليم مستديراً هدمها كل جيوش الكلدانيين الذين مع رئيس الشرطة، وبقية الشعب الذين بقوا في المدينة والهاربون الذين هربوا إلى ملك بابل وبقية الجمهور سباهم بنوزرادان رئيس الشرطة ».

ولكن في سنة ٥٣٨ ق م تقريباً احتل قورش ملك الفرس بلاد بابل، وأطلق الإسرائيليين من الأسر وسمح لمن يريد العودة إلى فلسطين، وقد عادوا لا بصفتهم دولة ولكن كجالية لها الحق في ممارسة شعائرها الدينية والاجتماعية في حرية تحت سلطان الحكم الفارسي الذي كانت تتبعه فلسطين، وفي هذه الفترة قيل، أن الفرس قد أطلقوا على الإسرائيليين اسم اليهود وعلى عقيدتهم اليهودية، تمييزاً لهم عن باقي السكان في فلسطين، وظل وضع اليهود قلقاً بفلسطين منذ ذلك التاريخ حيث تعاقب عليها الإحتلال الفارسي والسوري والمصري إلى أن استولى عليها الأسكندر المقدوني ٣٢٠ ق م وآلت إلى البطالسة بعده، وظلت فلسطين بعد ذلك تحت حكم الروم معظم الوقت إلى بعثة عيسى عليه السلام.