تمهيد
تمهيد
نود قبل عرض موضوع دراستنا تفصيلاً، أن نذكر بعض الأمور التي نجد أنها تعين على توضيح موضوع البحث:
أولاً: معنى الملل والنحل
الملل: جمع ملة: والملة بكسر الميم معناها الدين. والنحل: جمع نحلة، والنحلة بكسر النون معناها الدعوى، تقول انتحل فلان الشئ بمعنى إدعاء لنفسه.
ثانياً: موضوع البحث ومنهجه
وموضوع بحثنا، خاص بالأديان السماوية الكبرى التي أطلق عليها اصطلاحاً للتمييز بينها: الهودية، والمسيحية والإسلام بقصد التميز فيها بين كلمة الله كما عبر عنها الوحي، وبين كلمة الإنسان التي ادعى أنها من الوحي أو تعبير عن الوحي، أي بين الملة كدين من الله والنحلة كدعوى من البشر.
ومنهجنا في دراستها سيكون على أساس تاريخي مقارن، لأنه لما كان موقف أي جماعة من عقيدة اعتقدتها كما يقول الدكتور البهي: « يتمثل في مظهرين: مظهر الإيمان القوى، ثم مظهر التفهم والتعقل.
وكلما خفت حرارة الإيمان في القلوب.. كلما برزت ناحية الاختلاف في فهمها » (١).
(١) الجانب الإلهي في التفكير الإسلامي، ص ٥٤، دار الكتاب العربي، القاهرة ١٩٦٧.
فإن المظهر الأول بالنسبة لنا، يمثل الأديان الثلاثة في صورتها التي نزل بها الوحى.
أما المظهر الثاني، فيمثل عندنا الآراء والمذاهب التي انتحلها أتباع كل دين من الأديان الثلاثة معتمدين فيما ذهبوا إليه على التأويل العقلي والفهم الشخصي لنصوصهم الدينية.
ونحن بصدد الإسلام. نستطيع في سهولة ويسر تمييز الملة أو الدين فيه عن النحلة أو الدعوى، حيث إن نصوصه الدينية وأهمها القرآن شاهد صدق على الأمرين معاً، أعني الإسلام كما نزل به الوحى، والإسلام كما فهمه أتباعه، مما يمكننا من كشف أو نقد الدعوى التي إدعاها المؤمنون به ومقدار بعدها أو قربها من الوحى.
أما بالنسبة لليهودية والمسيحية، فالأمر جد مختلف، حيث إنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل، تمييز الدين فيها من النحلة، لما ثبت علمياً من تحريف كتبها المقدسة فلا يمكن في مجال التوثيق العلمي الدقيق الإعتماد على تلك الكتب في تمييز الدين كما نزل به الوحى عن الدعوى التي أضافها البشر في اليهودية أو المسيحية بوضعهما الراهن.
ومن هنا اعتمدنا على القرآن كلما أمكن ذلك كمعيار نقد وتمييز بالنسبة لليهودية والمسيحية، وموقفنا هذا ليس صادراً عن تعصب، وإنما عن باعث علمي بحت، حيث إن القرآن قد تعرض للنقد العلمي متناً وسنداً من أشد المتعصبين ضده، كما لم يستطع أحد النيل من صدقه وسلامته في كل القضايا التي طرحها ومنها ما يتصل بالأديان الأخرى. فنحن، من منطلق علمي بحت، في حاجة إلى الاعتماد عليه، ليس في مجال نقد وثائق تلك الأديان واستييان ما حدث فيها من ثغرات فحسب، وإنما لإثبات وجودها التاريخي نفسه، وإلا لأصبح من السهل علمياً التشكيك في نسبها السماوي أصلاً وسقوط رداء القداسة عن وثائقها ورموزها. فالأناجيل مثلاً من الناحية العلمية، لا تستطيع وحدها اثبات وجود عيسى عليه السلام، بل انها لتكتسب شرعيتها والاعتراف بها من اثبات وجود عيسى عليه السلام من طرق وأدلة أخرى، فتصفح الأناجيل كما يقول شارل جنبير: « يكفي لاقاعنا بأن مؤلفها قد توصلوا إلى تركيبات واضحة التعارض لنفس الأحداث والأحاديث، مما يحتم القول بأنهم لم يلتمسوا الحقيقة الواقعية ولم يستلهموا تاريخاً ثابتاً يفرض تسلسل حوادثه عليهم، بل على العكس.
من ذلك اتبع كل هواه وخطته الخاصة في تنسيق وترتيب مؤلفه.. وهكذا لم نعد نستطيع أن نميز في وضوح الجوانب التاريخية لشخصية عيسى ولم نعد نملك المراجع اللازمة لتحديد أحداث حياته في دقة «(٢) والأمر في ذلك لا يختلف بالنسبة لليهودية، كلاهما اذن محتاج إلى القرآن الذي يمنحهما الإعتراف بنسبهما، أما الاعتماد على وثائقهما الذاتية وحدها فإنه لا يكون إلا مجازفة بمصيرهما وشرعية نسبهما.
ثالثاً: منشأ التسمية
ونعني بذلك الإجابة على هذا السؤال: هل تسمية الأديان الثلاثة أصلها بشرى أو إلهي؟
لنعلم أولاً، أن الأديان الصحيحة المنزلة على الرسل من الله تعالى لهداية البشر إلى الصراط المستقيم، واحدة في أصولها، واحدة في مصدرها وهو الله سبحانه وتعالى، وهي كلها تعنى الخضوع والانقياد التام قلبياً وعقلياً وجسمانياً لكل ما أمر به الله عن طريق رسله، هذا الموقف عبر عنه الوحي أو سماه الله تسمية واحدة في قوله تعالى:
- ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَمِ ﴾ (٣)
- ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ (٤)
- ﴿ وَرَضِيْتُكُمْ الْإِسْلَمَ دِينًا ﴾ (٥)
- ﴿ فَمَنْ يُرِدِّ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيهُ بِشَرْحٍ صَدَرَهُ لِلْإِسْلَمِ ﴾ (٦)
- ﴿ وَأَمْرَتْ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَيْمِينَ ﴾ (٧)
- ﴿ وَمَنْ أُحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (٨)
(٢) المسيحية نشأتها وتطورها، ص ٢٨ - ٢٩، ترجمة عبدالحليم محمود، المكتبة العصرية، بيروت.
(٣) آل عمران: ١٩. (٥) المائدة: ٣. (٤) آل عمران: ٨٥. (٦) الأنعام: ١٢٥.
الوحي إذن هو الذي سمى الدين الصحيح بالإسلام، وهو الدين الذي كلف به كل الأنبياء وأمروا بتبليغه إلى الناس.
فعن إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام يقول القرآن:
﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهْوِدِياً وَلَا نَصْرَانِياً وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ﴾ (٩) ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مَلَّةَ إِبْرَاهِكُمْ إِلَّا مَن سَفَهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ أَصْطَفَيْتُهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ ﴾ (١٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبَّهُ رَأْسِلُمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ (١١)
والإسلام هو الدين الذي أوصى به إبراهيم بنيه: فمع ابنه إسماعيل عليه السلام يدعو:
﴿ رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمِينَ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أَمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ (١١) كذلك:
﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِكُمْ بِنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَنْبَئَى إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلَا تَمُوتَنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (١٢)
ثم هو وصية يعقوب لبنيه من بعده:
﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لَبِنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَيْهَكَ وَإِلَهَكَ ١٢ ﴾
(٩) آل عمران: ٦٧. (١٠) البقرة: ١٣٠ - ١٣١. (١١) البقرة: ١٢. (١٢) البقرة: ١٣٢.
﴿ ابَابِكَ إِبْرَاهِكُمْ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ (١٣)
ثم هو دين موسى الذي كلف بتبليغه إلى بني إسرائيل:
﴿ وَقَالَ مُوسَى يَنْقَرِمُ إِنْ كُنتُمْ ءَامَنُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ بَوَكَّلُوا إِنْ ﴾
﴿ كُنتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ (١٤)
وفرعون موسى:
﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي ﴾
﴿ ءَامَنْتُ بِهِ بَنُوا إِسْرَءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (١٥)
ولم يقل أنا من الهود أو من الإسرائيليين، لعلمه أن الدين الذي يدعو إليه موسى عليه السلام إسمه الإسلام.
والإسلام هو الدين الذي دعا إليه سليمان عليه السلام أهل سبأ حين قال لهم:
﴿ أَلَا تَعْلُوا عَلَى وَأَتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ (١٦)
وهو دين عيسى عليه السلام الذي:
﴿ قَالَ مَنْ أَنصَارِيَ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ءَامَنًا بِاللَّهِ ﴾
﴿ وَأَشْهَدْ بِأَنَا مُسْلِمُونَ ﴾ (١٧)
(١٣) البقرة: ١٣٣.
(١٤) يونس: ٨٤.
(١٥) يونس: ٩٠.
(١٦) الفل: ٣١.
(١٧) آل عمران: ٥٢.
وأخيراً هو الرسالة الشاملة التي كلف بها محمد ﷺ وأمر بتبليغها إلى الناس كافة:
﴿ قُلْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ ﴾
عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمِ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ
وَمَا أُوتِي مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
وَنُحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٨﴾
من كل هذا يتبين أن تسمية الدين الصحيح بالإسلام تسمية إلهية وليست بشرية.
وأن الإسلام هو الدين الذي كلف به الرسل جميعاً منذ آدم وحتى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وإن كان يختلف من حيث العموم والخصوص، فقد كان دعوة خاصة بزمان ومكان وشعب معين عند الرسل السابقين، وإنتهى إلى دعوة عامة شاملة للناس جميعاً على يد محمد صلى الله عليه خاتم الأنبياء والرسل.
أما الهودية أو المسيحية، فهي تسمية من وضع البشر، منشأها النسب الشخصي.
ولهذا نجد القرآن الكريم تارة يذكرهما في مجال المدح عند إيمانهم، وتارة في مجال الذم عند كفرهم، أي أنه وصفهما بالكفر والإيمان.
ففي معرض المدح مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾
وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصْرَىٰ وَالصَّبِيئِينَ مِنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخْيَرِ
وَعَمِلَ صَلِيحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ ﴿١٩﴾
(١٩) البقرة: ٦٢.
(١٨) آل عمران: ٨٤ - ٨٥.
أما في معرض الذم ففي مثل قوله تعالى:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزِيزُ ابْنَ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصْرَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يَا فَوْهِهِمْ يُضَاهِعُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَبْلُ قَتْلَهُمُ اللَّهُ أَنِّي يَوْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرَهَبْتُهُمُ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَنَّهَا وَاحِدًا لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَنُهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٠) ﴾
أما الإسلام فيذكره في مجال المدح فقط لأن المقابل له هو الكفر أو الشرك.
نخرج من هذا إلى أن اليهودية والمسيحية التي تسمى أيضاً النصرانية، تسمية وضعية تطلق على أتباع موسى وعيسى عليهما السلام، وهي لا تعني بالضرورة التزامهم بالدين الصحيح الذي نزل على موسى أو عيسى والذي سماه الله بالإسلام.
(٢٠) التوبة: ٣٠ - ٣١.