الفرق الإسلامية
الفرق الإسلامية
كان المسلمون في عهد الرسول ﷺ والخليفتين أبى بكر وعمر على قلب رجل واحد، يؤمنون بالله في إخلاص شديد، يدعنون لما أتى به الرسول في تسليم كامل، ليس لهم من هدف إلا إحقاق الحق والجهاد في سبيل نصرة الإسلام وإبلاغ دعوته إلى الناس كافة، لم يعرفوا الجدل والمماراة في أصل من أصول الدين، فالإيمان يملؤ قلوبهم بكل ما أتى به الوحي دون جدل أو مناقشة، يتجهون في مضاء وثبات وعزم لا يعرف الوهن أو الضعف والتخاذل إلى إعلاء كلمة الله وتحقيق سيادة الإسلام على العالم كله حتى يتحقق العدل والسلام على الأرض وفي قلب الإنسان، إلى أن قتل الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه فكان قتله صدمة زحزحت المسلمين عن طريقهم ونكست بها وحدتهم وأخوتهم، وصدقت فيهم نبوءة عثمان رضي الله عنه حين ضيق عليه محاصروه الخناق: « لئن قتلوني لم يصلوا بعد جميعاً أبداً، ولم يقتلوا عدواً جميعاً أبداً » (٣٦).
بعدها بدأ الخلاف يدب بين صفوف المسلمين ويتسرب الضعف والوهن إلى قلوبهم، فبعد أن كانوا فرقة واحدة أصبحوا فرقاً وبعد أن كانت كلمتهم واحدة أصبحت كلاماً، وبعد أن كانوا يحفظون النصوص الدينية ويؤمنون بها في إخلاص وتسليم كامل ثم يسخرون كل ملكاتهم وقواهم في تطبيقها، أصبحوا يعتنقون أفكاراً ومبادئ غريبة ثم يتهجمون على النص المقدس يستنطقوه كرهاً ما يؤيد مذهبهم وما تزين لهم نفوسهم وأهواؤهم، فتداعت الفتن بتداعى الأحداث التي أعقبت استشهاد عثمان رضي الله عنه وبحق ما قال الشهرستاني: ( وكان هذا أعظم خلاف، وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة إذ ما سل سيف على عقيدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان ) (٣٧).
وجرياً على عادة المؤرخين في تتبع مظاهر الخلاف بين المسلمين عقب وفاة الرسول ونموها وتداعيها حتى انتهت بالفرق المعروفة بين المسلمين، علينا أن
(٣٦) المرجع السابق/١١٨.
(٣٧) الفتنة الكبرى ٢٠٧ - طه حسين.
نعرض بإيجاز لأهم تلك الاختلافات التي بدأت حول أمور عملية أو اجتهاد في الرأي لا يمس أصلاً من أصول الدين إلا أنها استغلت بعد ذلك في أبحاث كلامية عند الفرق المختلفة مما يعتبر عندنا الجانب الذي يمثل النحلة أو الدعوى أو كلام البشر في التراث الإسلامي.
أولاً: وفاة الرسول:
لم يمض على حجة الوادع ثلاثة أشهر حتى مرض الرسول ﷺ بالحمى، فلما رأى المسلمون اشتداد المرض على الرسول أحاطوا بالمسجد في وجوم وحزن شديد فخرج إليهم عليه السلام متحاملاً على نفسه وخطب آخر خطبة فيهم قائلاً بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
« أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نيكم، هل خلد نبي قبلي ممن بعث الله فأخلد فيكم؟ ألا إني لاحق بربى وإنكم لاحقون بى، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً وأوصى المهاجرين فيما بينهم فإن الله تعالى يقول:
﴿ وَالْعَصْرِ ﴿ إِنَّ أَلْاُنْسَنَنَّ لَفِي خُسْرٍ ﴿ إِلَّا أَلَدِينَ ﴾ امْنُوا وَعَمِلُوا ﴾ ﴾
أَلْصَلِحَتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَيِّ وَتَوَاصَوْا بِالْصَبْرِ ﴿ ٣٨ ﴾
وإن الأمور تنجرى بإذن الله ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله فإن الله عز وجل لا يعجل بعجلة أحد ومن غالب الله غلبه ومن خادع الله خدعه، فهل عسيم إن توليم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، وأوصيكم بالأنصار خيراً فإنهم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسعوا لكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولى أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وإني فرط لكم وأنتم لاحقون بى، ألا فإن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده على غدا فليكفكف لسانه إلا فيما ينبغي ﴿ ٣٩ ﴾.
(٣٨) الملل والنحل ١/ ٢٢. (٣٩) انظر كتاب سيرة الرسول ﷺ - ابن هشام: ٢٧٥/٤ - ٢٧٦ القاهرة ١٣٣٦ هـ.
ولم يلبث بعدها بأيام حتى فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة على أكمل وجه وأحسنه، وزلزل المسلمون لوفاته ﷺ زلزالاً أذهلهم عن سنة الله في أنبيائه أنهم يموتون كما يموت البشر، وأقبل الصديق مهرولاً، وعمر يصرخ في الناس على باب مسجد الرسول ﷺ متوعداً بسيفه كل من ينعى إليه رسول الله، فلم يلتفت الصديق إلى شئ حتى دخل على صديقه وحبيبه وكشف عن وجهه الشريف ثم قال والحزن يعتصر فؤاده: بأبى أنت وأمى، طبت حياً وميتاً وانقطع لموتك مالم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، ولولا أن موتك كان اختياراً منك لجدنا لموتك بالنفوس، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشئون، فأما مالا نستطيع نفيه عنا فكمد وإدناف يتخالفان ولا يبرحان، اللهم فأبلغه عنا السلام، أذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيك عنا وأحفظه فينا. ثم خرج إلى الناس وقد أذهلتهم الفاجعة عن نفوسهم، فخطب فهم خطبة انتشلتهم وهم حماة الإسلام من أسر الياس والإحباط، وأصبح أبو بكر بهذا الموقف صديق المسلمين كما كان صديق الرسول، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع وأن الحديث كما حدث وأن القول كما قال وأن الله هو الحق المبين.. أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ألم يقل الله لنبيه [ أنك ميت وإنهم ميتون ] وإن الله قد تقدم إليكم في أمركم فلا تدعوه جزعاً، وإن الله اختار لنبيه ما عنده على ما عندكم وقبضه إلى ثوابه وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه فمن أخذ بهما فقد عرف ومن فرق بينهما فقد أنكر يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم ولا يفتنكم عن دينكم، فعاجلوه بالذي تعجزونه ولا تستظروه فيلحق بكم » (*).
وكان موت النبي محنة قاسية وفتنة وقى الله المسلمين شرها بفضل عزيمة الصديق العظيم أبو بكر رضي الله عنه.
(*) انظر كتاب سيرة الرسول ﷺ - ابن هشام: ٢٧٥/٤ - ٢٧٦ القاهرة ١٣٣٦ هـ.
ثانياً: خلافة أبى بكر:
وبوفاة النبى ﷺ واجه المسلمون أمراً خطيراً لم يخطر على بالهم وهو أمر الحكم، ويبدو أنهم لم يهيوا أنفسهم له لسببين:
الأول: أنه لم يرد على خاطر واحد منهم لحظة النهاية بالنسبة للرسول، فقد كان ﷺ أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وأموالهم، ومن الطبيعى أن لا يفكر الحب في نهاية من يحب.
الثانى أن الرسول ﷺ لم يطرح مسألة خلافته باعتبار أن هذه مسألة سياسية تتصل بشئون الدنيا، والمبدأ العام الذى قرر الرسول ﷺ أن المسلمين أعرف بشئون دنياهم فيما لم يرد فيه حكم شرعى، وليس في القرآن أو السنة تحديد شكل الحكم إلا المبدأ العام وهو الشورى والحكم بما أنزل الله،
وهكذا طرحت المشكلة نفسها فجأة دون استعداد للاقاتها، رغم أنه أمر يتعلق بكيفية معالجته استمرار مد الدعوة أو انحسارها، ولكن كانت هذه المشكلة الفرصة التى أظهرت عظمة الرجال الذين صاغهم محمد ورباهم على مائدة القرآن الكريم.
توفى رسول الله ﷺ إذن ولم يعين من يخلفه بل ولم يبين كيف يكون اختياره ومن هنا أسرع الأنصار قبل دفنه عليه السلام إلى عقد اجتماع في سقيفة بنى ساعدة يتشاورون في حل سريع للمشكلة، وأدركهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح من المهاجرين ليكون الأمر شورى بين المهاجرين والأنصار، وما لبث المؤتمرون أن انقسموا إلى رأيين.
رأى يرى الخليفة من الأنصار بدعوى أنهم أنصار الدعوة وحماتها الذين آثروا الرسول ﷺ والمهاجرين على أنفسهم وأموالهم. أعز الله بهم الإسلام حتى كانت مدينتهم عاصمة لدعوة إسلامية فرضت سيادتها بالحق والعدل على العالم، وتوفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض وبهم قرير العين، فهم أولى بخلافته وأقدر من غيرهم على رفع راية الدعوة والتمكين لها في الأرض.
أما الرأى الآخر، فيرى أن الخليفة يجب أن يكون من المهاجرين لأسباب عديدة أهمها:
١ - سبب سياسي: وهو أنهم من قريش، والعرب لا تدين إلا لهم، وقد كان هذا في الجاهلية فأخرى به أن يكون في الإسلام فكون الخليفة قرشي ومن السابقين في الإسلام يحفظ على العرب وحدتها السياسية ويؤكد وحدة الأمة الإسلامية، وإذا كان الأنصار قد احتضنوا الدعوة وناصروها فإن المهاجرين كانوا الرواد الأول الذين تحملوا كل صعب في سبيل نصرتها وبقائها.
٢ - سبب نفسي: فالعرب ستكون أميل إلى عدم خروج الأمر من أهله، واختيار الخليفة من المهاجرين وهم قوم الرسول وعشيرته، سيعطى معنى الاستقرار والاستمرار، أما إذا اختير الخليفة من الأنصار ربما تحدث القبائل نفسها بأنه مادام الأمر ليس في قريش، فما بال الأنصار وهم من الأوس والخزرج أولى بالأمر من القبائل الأخرى؟ ويؤول الأمر إلى العصبية القبلية، أما في قريش، فحقها معلوم ومقرر عند العرب جميعاً من جهتين: الأولى أنها سيدة العرب في الجاهلية ولا تقر القبائل بعزة ومنعة غير عزتهم ومنعتهم. الثانية، أنهم قوم الرسول عليه وعشيرته وقد زادهم هذا عزاً فوق عز ومنعة فوق منعة، فيكون اختيار الخليفة منهم وكأنه استمرار لوضع مقرر وليس إنشاء لوضع جديد.
ودار الجدل والحوار كل يدلى بحججه ويقدم الأدلة التي ترجع كفته وتؤيد ما يعتقد أنه تأييد للحق وتدعيم للإسلام. وتوفيقاً بين الرأيين وجمع للكلمة إقترح بعض الأنصار أن يكون الحكم شركة فمنهم أمير ومن المهاجرين أمير، ولكن المهاجرين رفضوا، ولهم حجة في هذا، لأن الأخذ بهذا الاقتراح أشد خطراً ليس على وحدة المسلمين وقوة الدولة فحسب، بل وعلى الأنصار أنفسهم، فسيعود بالأنصار إلى عهد كان للإسلام ولرسوله فضل رفع أوزاره وسيئاته عن كواهلهم، فأمير الأنصار من يكون؟ هل يكون من الخزرج فينفس عليه الأوس؟ أم من الأوس فينفس عليه الخزرج؟ وهكذا فالأخذ بهذا الاقتراح كان، من جهة نظرى على الأقل، سيؤدى إلى إحياء خصومة الجاهلية بين الأوس والخزرج، فضلاً عما يؤدى إليه من ضعف الإدارة الإسلامية في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى سرعة الحسم والحزم والقوة.
واشتد الحوار وتداعى الجدل حتى أوشك المؤتمرون على الخصام والنزاع فتدارك صديق الأمة أبو بكر رضى الله عنه وخاطب الأنصار قائلاً: نحن المهاجرون أول الناس إسلاماً والناس لنا تبع ونحن عشيرة رسول الله ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً وليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة، وأنتم
والله الذين أووا ونصروا وأنتم وزراؤنا في الدين ووزراء رسول الله وأنتم إخواننا في كتاب الله تعالى وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سراء وضراء، و ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، وإني أدعوكم إلى مبايعة أبي عبيدة بن الجراح أو عمر بن الخطاب. فارتفعت الأصوات وكثر اللغط، ولكن عمر حسم الموقف فأسرع بمبايعة أبي بكر وعلى أثره بايع أبو عبيدة الجراح ثم تتابع المهاجرون والأنصار يبايعونه،
ومن الغد بويع أبو بكر في المسجد مبايعة عامة بعدها ألقى خطاباً يعتبر دستوراً للحكم وسياسة الدولة، قال: « أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى آخذ الحق له إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا قوم ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاد، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم.. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله » (*).
وهكذا أصبح أبو بكر أول خليفة لرسول الله ﷺ، ولم يتخلف عن بيعته سوى على بن أبي طالب الذي كان مشغولاً مع بعض بني هاشم عن اجتماع السقيفة بتجهيز النبي ﷺ للدفن، فلما بلغه ما تم وجد في نفسه على أبي بكر ومن بايعه لإبراهم الأمر دونه متجاهلين مكانته وحقه، وراجع كثير من الصحابة عليا في موقفه ودعوه إلى المبايعة درءاً للفتنة والانقسام، وفيما قاله أبو عبيدة ابن الجراح له: يا بن عم انك حدث السن وهؤلاء مشيخة قومك وليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور. ولكن علياً لم يعلن مبايعته إلا بعد وفاة زوجه فاطمة رضى الله عنها التي توفيت بعد أيها عليه السلام بشهور قليلة.
ولقد دار جدل كبير بين المؤرخين من أهل السنة والشيعة حول أسباب تخلف على عن المبايعة، ولكنا نعرض صفحاً عن هذا الجدل ونلجأ إلى صحيح مسلم، وهو موضع ثقة الطرفين، لنتين وجه الحق في موقف على وأسبابه، فهو يروى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: « إن فاطمة رضى الله عنها، بنت رسول الله ﷺ، أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء
(*) مختصر سيرة ابن هشام/ ٣١٥ - دار النفائس - بيروت ١٩٨١، ووثقه ابن كثير في البداية والنهاية جه/ ٤٤٨ - مكتبة المعارف بيروت ١٩٨٠ م.
الله عليه بالمدينة وفدك [ إحدى قرى خيبر ] وما بقى من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا [ يعني ببيت المال ] وإنى والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت في عهد رسول الله ﷺ، ولا أعمل فيها إلا بما عمل رسول الله ﷺ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً، فوجدت فاطمة على أبى بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها على ابن أبى طالب ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها، وكانت لعلى من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته، ولم يكن على بايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبى بكر أن إثنتا ولا يأتين معك أحد، كراهية أن يحضر عمر بن الخطاب، فقال عمر لأبى بكر والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر وما عساهم يفعلون بى؟ والله لا تينهم، فدخل عليهم أبو بكر، فتشهد على بن أبى طالب ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك وما أعطاك الله ولا ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك ولكن استبددت علينا بالأمر [ لم تشاورنا ] وكنا نحن نرى لنا حقا لقرابتنا من رسول الله ﷺ، فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبا بكر، فلما بكى أبا بكر قال: لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلى أن أصل من قرابتى، وأما الذى شجر بينى وبينكم من هذه الأموال، فإنى لم آل فيها عن الحق ولم أترك أمراً رأيت رسول الله ﷺ يصنعه إلا صنعته، فقال على لأبى بكر: موعدك العشية للبيعة. فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر، رقى المنبر فتشهد وذكر شأن على وتخلفه عن البيعة وعذره بالذى اعتذر إليه، ثم استغفر على بن أبى طالب وتشهد، فعظم شأن أبى بكر وقال: ولكنا كنا نرى لنا في الأمر حقاً فاستبد به فوجدنا في أنفسنا، فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت أبا الحسن، وكان المسلمون إلى على قريباً حين راجع الأمر بالمعروف « (٤٠) ».
من كل هذا يتضح لنا بما لا ريب فيه أن النبي ﷺ لم يوص لأحد بعده، وليس في القرآن إشارة إلى تخصيص أحد بخلافة الرسول ﷺ، ولو كان هناك شئ من ذلك لما وسع الصحابة، على منزلة الصديق فيهم، أن يبايعوه ويتركوا وصية الرسول ﷺ أو ما يشير به القرآن ويبقى أن أعظم ما قرره الإسلام في شئون الحكم، أن الحكم بحسب المصلحة العامة للمسلمين لا بحسب النسب.
(٤٠) الصديق أبو بكر - محمد حسين هيكل - القاهرة ١٣٦١ هـ.
ثالثاً: قتال مانعي الزكاة:
فقد حدث بعد أن تولى أبو بكر الخلافة أن أمتنع بعض المسلمين خارج المدينة عن دفع الزكاة فاختلف الصحابة في قتالهم كما كان للممتنعين أنفسهم وجهة نظر، واستند كل في موقفه على تفسير معين للنصوص الدينية، فأبو بكر يصر على قتالهم قتال المرتدين ويعارضه عمر قائلاً: كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله ﷺ: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فمن قالما عصم منى ماله ودمه إلا بحقها وحسابهم على الله »، ويرد عليه أبو بكر قائلاً: « أليس قد قال: ( إلا بحقها )؟ ومن حقها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، ويصيح في عمر. يا ابن الخطاب رجوت نصرتك وجثتني بخزلانك أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟ إنه قد انقطع الوحي وتم الدين، أو ينقص وأنا حي؟!
ولكن رغم تمسك كل بموقفه؛ إلا أنه لم يترتب على هذا شقاق أو أحقاد، فقد كان منهم اجتهاد في الحق وللحق، ولهذا نرى عمر ينصاع في حب وإخلاص لأمر الخليفة ويقول: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق ».
أما مانعي الزكاة فقد كانت لهم وجهة نظر أخرى يستندون فيها إلى تفسير خاص للنصوص الدينية، فهم يؤمنون بالزكاة كواجب ديني ولكن لا يعترفون بصرفها لغير الرسول، وقد مات الرسول ﷺ فلا يجب دفعها لغيره، واحتجوا بقوله تعالى:
﴿ خَذْ مِنَ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً ﴾
تَطْهِرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنَّ لَهُمْ وَآلَهُمْ
سَمِيعٌ عَلَيْمٌ (١٠٢) ﴿١١﴾
قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا إلا إلى من صلاته سكن لنا.
(٤١) التوبة: ١٠٣. وانظر المرجع السابق - الصديق أبو بكر.
رابعاً: مقتل عثمان رضي الله عنه:
لما طعن عمر رضي الله عنه بيد أبي لؤلؤة الأئيمة نتيجة مؤامرة سبئية (٤٢) شغل بأمر الأمة عن الأمه فاستدعى على عجل عبدالرحمن بن عوف وعرض عليه الخلافة، ولكنه أعتذر اشفاقاً على نفسه وأشار ومعه بعض الصحابة على عمر أن يستخلف ابنه عبدالله، فقال عمر لا يليها رجلان من ولد الخطاب لا اتحملها حياً وميتاً، إن لم استخلف فقد ترك ذلك من هو خير منى [ يقصد رسول الله ﷺ ]، وان استخلف فقد استخلف من هو خير منى [ يقصد أبا بكر رضي الله عنه ] إن رسول الله ﷺ مات وهو راضي عن هذه الستة من قريش: على، وعثمان، وسعد، والزبير، وطلحة، عبدالرحمن، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم واحداً منهم ثم أرسل في طلبهم فلما اجتمعوا إليه قال: يا معشر المهاجرين الأولين، انى نظرت في أمر الناس فلم أجد فيهم شقاقاً ولا نفاقاً فإن يكن بعدى شقاق ونفاق فهو فيكم، إنى لا أخاف عليكم أن استقمتم ولكنى أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم فيختلف الناس. ثم أمرهم بالإجماع بعد وفاته ليشاوروا في أمر الخلافة ومعهم عبدالله ابن عمر مشيراً وليس له من الأمر شئ ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليهم أمير منهم، ثم أمر أبا طلحة الأنصارى أن يحاصر مكان الاجتماع على رأس خمسين رجلاً من الأنصار، فإن اجتمع خمسة على رجل وأبى واحد فليقتل، وان رضي أربعة وامتنع اثنان فليقتلا، وان رضي ثلاثة رجلاً وثلاثة رجلاً فليحكموا عبدالله بن عمر فمن حكم لهم فمنهم الأمير وان لم يرضوا حكمه فليكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن ابن عوف وليقتل الباقون. ولم يلبث عمر بعد هذه الوصية ثلاثة أيام حتى لحق بربه، وما أن فرغ المسلمون من دفنه حتى بادروا إلى تنفيذ ما أوصى به.
فاجتمع الستة الذين عينهم عمر في حراسة أبى طلحة الأنصارى، ولكنهم لم يصلوا إلى اتفاق فاقترح عليهم عبدالرحمن بن عوف أن يتنازل أحدهم ويتولى اختيار واحد من الخمسة الباقين على أن يحلف بالله ليؤثرن الحق ولا يتبعن الهوى، فلما لم يتنازل أحد خلع عبدالرحمن نفسه وحلف بالله على إيثار الحق وحلفوا له على الرضا بمن يختار.
(٤٢) راجع في ذلك للمؤلف: السيفيون منهجاً وغاية - دار القلم - الكويت ١٩٨٥ م.
وعلى الفور بدأ عبدالرحمن مشاوراته فاختلى بعلى وقال له: لو لم تكن في الشورى فمن تختار؟ قال: عثمان. واختلى بعثمان وطرح عليه نفس السؤال، فكان جوابه: على. ثم سأل الزبير وسعد وطلحة فاختاروا عثمان، ثم أخذ يطوف على كبار الصحابة ورؤساء الجند، فكان لا يخلو برجل إلا أشار بعثمان، وفي نهاية الوعد الذي ضربه عمر، دعا عبدالرحمن المسلمين إلى المسجد ولما اجتمع الناس قال لهم، رأيت الناس لا يعدلون بأحد هذين الرجلين، على وعثمان، ثم دعا عليا وقال له: تبايع على كتاب الله وسنة رسوله وعمل أبى بكر وعمر؟ فقال على: أرجو أن أفعل وأن أعمل بمبلغ علمى وطاقتى. ثم دعا عثمان وقال له مثل ذلك، فقال: نعم. دون زيادة، وكرر عبدالرحمن السؤال على عثمان وعلى ثلاثا، وفي كل مرة يعطى على جهده وطاقته، ويعطى عثمان عزيمته، بعدها أعلن عبدالرحمن ابن عوف مبايعته عثمان فتبعه الناس في المبايعة، وبذلك أصبح عثمان بن عفان الخليفة الثالث بعد رسول الله ﷺ (٤٣).
ولنا هنا وقفة أمام أنموذج فريد لعبقرية صنعها الإسلام في ثلاث من صحابة رسول الله ﷺ، وهم: عمر، وعبدالرحمن بن عوف، وعلى بن أبى طالب، وظهرت تلك العبقرية الإسلامية في معالجتهم لأمر الحكم والخلافة:
أما عمر، فإنه لما كان الحاكم المثالى هو من توفر فيه حسن الخلق وقوة البأس، فحسن الخلق دون البأس يغرى الرعية بالحاكم، وقوة البأس دون حسن الخلق يغرى الحاكم بالرعية، ولما كان الشرطان لم يتوفرا لشخص على الوجه الذي توفر في أبى بكر وعمر، فقد أراد عمر بجعله الأمر شورى بين عدد معين من الصحابة توفير الشرطين معا، فمن عينهم يتوفر فيهم حسن الخلق بشهادة الوحى الذي بشرهم بالجنة ومات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض ومن زكاه الوحى رضى به الناس، أما شرط القوة فإنهم باختيارهم واحدا منهم كان الباقون له قوة وجبرا لما قد يكون فيه من نقص في شرط القوة وكان في طاعتهم له ضمان أكيد لطاعة الرعية واجتماع الكلمة عليه وهذا في رأينا هو تفسير لأمر عمر لأبى طلحة الأنصارى أن يقتل الواحد في مقابل الخمسة والإثنين في مقابل الأربعة، ضماناً لتوفر عامل القوة لمن يختاره الخمسة أو الأربعة. صيانة لوحدة الأمة وقطعاً لدابر الفتنة.
(٤٣) انظر تاريخ الإسلام ٢٥٤/١ - ٢٥٧.
أما عبدالرحمن بن عوف، فهو أولاً، قد أدرك بفراسة المؤمن أنه قد ولى عهد البطل الذى يجمع عليه الناس، وأن الأمر قد أصبح تكافؤ في الخلق والبأس فخلع نفسه مضحياً بفرصته في الخلافة حتى يكون هو المرجح لعامل القوة لمن يختاره بعد أن ضمن تأييد الآخرين لهذا الاختيار.
وأما ثانياً، فقد اختار عثمان الذى أعطى عزيمته على الاقتداء دون على الذى أعطى طاقته في العلم والاجتهاد، ليسد باباً كان موارباً في عهده وهو القول بقداسة على وآل البيت. فهو لم يصرف الأمر عن على تقليلاً من شأنه، ولكن خوفاً على المسلمين من الفتنة به. فاجتهاد من غير على يأخذه الناس على أنه رأى يحتمل الصواب والخطأ، أما من على ربما أخذه الناس أو بعضهم على أنه شرع يجب نفاذه، فخشى عبدالرحمن أنه ربما في ولاية على ما يفتن الناس في دينهم وأن يزاد في الشرع ما ليس فيه هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه ربما أراد أن يؤكد مبدأ عاماً في الإسلام وهو أن الحكم يقوم على الشورى والصالح العام للمسلمين وليس على النسب أو الوراثة.
أما على فقد آثر الحق على منصب الخلافة حين أعطى الطاقة دون العزيمة فقد أراد أن يؤصل حكم الشرع في أن الحكم من شئون السياسة الدنيوية وهو مجال للرأى والاجتهاد فيما ليس فيه حكم إلهى، ولم يقبل أن يعطى العزيمة ولو من باب المناورة في سبيل أن يؤكد للناس ما يرى أنه الحق،
وهكذا كان عمر، وعبدالرحمن، وعلى، عبقريات تتجه كلها صوب هدف واحد وهو صالح الإسلام والمسلمين.
وتولى الصحابى الجليل عثمان بن عفان رضى الله عنه الخلافة بعد عمر ابن الخطاب، وقد جاوز السبعين من عمره، باتفاق وإجماع المسلمين، فساس الناس بأحسن خلق وأحكم تدبير، واستمر مد الدعوة الإسلامية في اندفاعه فكثرت الفتوح وامتلأ بيت المال، وكان في عثمان رضى الله عنه رقة الحاشية وبسط اليد مما دعى بعض أقاربه من بنى أمية إلى الاستفادة من منصبه إلى أبعد مدى، فحرك سلوكهم ما كان كامناً من دعوى الجاهلية والتنافس التقليدى بين بنى هاشم وبين بنى أمية قبل الإسلام وانتشرت الجمعيات السرية تدعو إلى خلع عثمان وتولية غيره، وكان من أكبر محركى الفتنة رجل يدعى عبد الله بن سبأ « كان يهودياً من أهل اليمن » فأظهر إسلامه وتنقل بين أمصار الإسلام بيث فتنته ويقول: إنه كان
لكل نبي وصى، وعلى وصى محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ووثب على وصيه، وهكذا تضافرت عوامل الشر لتنتهى بسفك دم عثمان الطاهر ظلماً وعدواناً وتعصف نهائياً بوحدة المسلمين، فقد تكونت حول هذه الحادثة ثلاثة أحزاب رئيسية:
الحزب الأول: يؤيدون القتلة:
وحجتهم أن أساس الحكم العدل والقيام بما أمر الله ومن حاد يحق عزله فإن أبى وأصر على ظلمه فهو كافر ويحق قتله، تأويلاً لقوله تعالى:
﴿ وَمَن لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ﴾ (٤٤)
وعثمان في نظرهم حاد عن الحق والشرع فهو كافر ويحل قتله، وهذا الحزب هو الأساس لفرقة الخوارج فيما بعد.
الحزب الثاني: على النقيض من هذا:
يرى أن عثمان قد انعقدت له البيعة بإجماع المسلمين، فهو إمام شرعي له حق الطاعة والامتثال تأويلاً لقوله تعالى:
﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا ﴾
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴿٤٥﴾
فالخروج عليه خروج على الله ورسوله، هذا بالإضافة إلى ما عرف عن عثمان من سبقه في الإسلام وجهاده وهو من الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض كما أنه من العشرة المبشرين بالجنة، فعثمان قتل بغياً وعدواناً وقتلته عصاة إن لم يكونوا كفرة.
الحزب الثالث: توقف واعتزل الفتنة:
ويعبر عن هذا الموقف، الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، فيقول:
(٤٤) المائدة/٤٣.
(٤٥) النساء/٥٩.
أمرني رسول الله ﷺ، إذا اختلف الناس، أن أخرج بسيفي فأضرب به عرض أحد، فإذا تقطع أتيت منزلى، فكنت فيه لا أبرحه، حتى تأتيني يد خاطية، أو منية قاضية.
خامساً: الخلاف على على رضى الله عنه:
لم يكد المسلمون يفرغون من دفن عثمان رضى الله عنه حتى سارع بعض الصحابة إلى على يعرضون عليه الخلافة، فقال على: لا حاجة لى في أمركم، من اخترتم رضيت به دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن تركتموني فأني كأحدكم ولعلى أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً. ولكن تحت إلحاح الصحابة قبل الخلافة.
والواقع أن علياً رضى الله عنه كان بعيد النظر، فقد أدرك أن عقد المسلمين قد إنفرط بمقتل عثمان رضى الله عنه، وأن الفتن قد أطلت برأسها الخبيثة في كل مكان، فلم يكد يتولى الخلافة حتى وجد نفسه في موقف لا يحسد عليه، فطلحة والزبير رضى الله عنهما اللذان كانا بالأمس على رأس الساعين إليه بالخلافة أصبحا اليوم ومعهما أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها من أكثر المعارضين له مطالبين إياه بالقصاص من قتلة عثمان، أما معاية وتحته الشام فإنه يرفع قميص عثمان الملطخ بدمائه الزكية محملاً علياً دم هذا الشهيد الجليل، أما شيعة على فلم يكن حالهم أقل سوءاً من خصومه، ففيهم قتلة عثمان الذين ينتمون إلى أكثر القبائل ومعنى القصاص أن يقف على وحده كخليفة دون رعية وهكذا كان المستقبل كما عبر عنه على رضى الله عنه له وجوه وألوان، فعلى بين أمرين: إما القصاص من قتلة عثمان رغم أنهم في معسكره ورغم ما لهم من شبهة تدرأ الحد عنهم فقد قتلوه تأويلاً، ومعنى القصاص مع افتراض قدرته عليه، إنفضاض أنصاره ومؤيدوه وربما إنتهى الأمر لا إلى القصاص وإنما إلى خلعه من الخلافة وتصير الأمور فوضى تنتهى بتفكك الدولة والأمة الإسلامية شراذم يقتل بعضها بعضا وتعود الأمور سيرتها الأولى قبل الإسلام وفي هذا ضياع ليس للمسلمين فحسب بل وتهديد للدعوة الإسلامية ذاتها.
أما الأمر الثاني الذي كان على على أن يختاره، فهو التمسك ببيعته كأمير شرعي للمسلمين جميعاً وعليه أن يعمل على وحدة الدولة واستقرارها ولو أدى الأمر إلى قتال الخارجين عن طاعته وهذا هو الاختيار الأكثر أمنا حيث أن وحدة
الأمة أساس لقوة الدعوة الإسلامية، وفي سبيل هذا الهدف تهون كل تضحية وكل دم يبذل فداء له وكان أن حزم على أمره وحمل سيفه في سبيل وحدة الأمة واستقرارها.
ولكن هل تم لعلى ما أراد، للأسف لم يتم شئ من ذلك، فعلى كان رجلاً لا ينقصه الإيمان أو الإخلاص أو الشجاعة، ولكن ينقصه المخنكة السياسة، وهو نفسه وصف نفسه بحق حينها عرضوا عليه الخلافة فقال: « إعلموا إني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلى أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خيراً منى أميراً »، نعم فهو وزير خير منه أمير لأنه في أخلاقه وطباعه، أقرب إلى أن يكون فارساً منه حاكماً أو أميراً، وهذا هو تقدير عمر رضى الله عنه فحين أراده الناس تعيين من يخلفه واقترح عليه بعضهم تعيين على، قال: « إنه لها لأهل غير أنه رجل فيه دعابة »، وسئل ابن عباس عما يقصده عمر بوصف على بالدعابة قال: « كان على يرى أنه لا يطلب شيئاً فيعجز عنه وأنه يقدر على كل شئ يطلبه »، ومن المدهش أن يكون أول عمل يقوم به على كخليفة الدليل الحي على صدق فراسة عمر والمثال العملي لأخلاق الفارس في على؛ فما أن بويع بالخلافة حتى بادر بعزل جميع أمراء عثمان وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، ولم يلتفت إلى مشورة رجلين من أخلص أنصاره ومن ذوي الرأي والدهاء السياسي. وهما المغيرة ابن شعبة وإبن عباس الذي يقول: « أتيت علياً بعد قتل عثمان فصادفت المغيرة بن شعبة خارجاً من عنده، فقلت لعلى: ما قال لك هذا؟، قال: لقد جاءني من قبل وقال لى إن لك حق الطاعة والنصيحة وأنت بقية الناس، وإن الرأي عندي أن تقر معاوية وابن عامر وعمال عثمان على أعمالهم حتى تأتيك يبعتهم ويسكن الناس، ثم اعزل من شئت، فأبيت عليه ذلك، وقلت لا أداهن في ديني ولا أعطى الدنية في أمري. قال فإن أبيت فانزع من شئت واترك معاوية فإن فيه جرأة وأهل الشام أطوع له من بنانه، ولك الحجة في إثباته فقد ولاه عمر بن الخطاب، فقلت له: والله لا استعمل معاوية يومين فانصرف وأنا أعرف فيه أنه يود أني مخطئ، ثم عاد اليوم يؤكد صواب رأيي وخطأ رأيه! فقلت لعلى: أما المرة الأولى فقد نصحك، وأما الثانية فقد غشك! قال: ولم؟! قلت لأن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى ثبتهم لا يبالون من ولى الأمر ومتى عزلتهم يقولون، أخذ هذا الأمر بغير شورى ويتهمونك في قتل عثمان ويؤلبون عليك فتنتفض عليك الشام وأهل العراق، مع أني لا آمن طلحة والزبير أن يكرا عليك، وأنا أشير
عليك أن تثبت معاوية فإن بايع لك فعلى أن أخلعه من منزله. قال على: والله لا أعطيه إلا السيف! فقلت يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع لست صاحب رأى في الحرب، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحرب خدعة؟ فقال يا بن عباس لست من هنياتك ولا هينات معاوية في شئ (٤٥).
وهكذا بدأ الخلاف على على من أول يوم من خلافته، فبعد أن ولى الخلافة باتفاق أولى الرأى من الصحابة لم يلبث أن خرج عليه طلحة والزبير والسيدة عائشة رضى الله عنهم جميعاً متهمين إياه بخلالان عثمان والتراخي في القصاص من قتلته، وتطور الخلاف إلى القتال في موقعة ( الجمل ) والتي انتهت بقتل طلحة والزبير وعشرة آلاف مسلم من خيرة الصحابة ورجوع عائشة أم المؤمنين عن موقفها، ويعتبر هذا أول قتال بين المسلمين في الإسلام، ومن جهة أخرى فقد خرج عليه الأمويون بقيادة معاوية ابن أبي سفيان مطالبين بالثأر لعثمان وتطور الأمر إلى القتال في موقعة ( صفين ) بانشقاق معسكر على إلى أول فرقتين في الإسلام، وهما الخوارج الذين انقلبوا على على لقبوله التحكيم، والشيعة الذين ظلوا على تأييدهم له، وتراشق الفريقان التهم حتى كفر بعضهم بعضاً ودار القتال بينهم، ومن العجيب أن كل فريق كان يستند في موقفه إلى تفسير خاص للنصوص الدينية يؤولها بما يخدم وجهة نظره ودعواه.
في هذا الجو العاصف والخانق تردد على الألسنة سؤال من وحي الفتنة: ترى ما حكم هؤلاء الذين يقتلون بعضهم بعضاً، وتلك أكبر الكبائر، في نظر الشرع؟، هل هذا قضاء وقدر حل بالأمة الإسلامية، وأصاب وحدتها؟! ثم ما مسئولية هؤلاء عن كل هذا أمام الله؟
وهكذا بدأ البحث في علاقة العمل بالإيمان، والبحث في علاقة الإنسان بالله، هل الإنسان مخبر، أم مسير؟ ما هي حدود المسئولية الإنسانية وقيمتها؟ ثم تداعى البحث بتداعى الفتن، أو تداعت الفتن والفرقة، بتداعى البحث والجدل في أمور الدين والعقائد المقدسة، وفقد المسلمون صفاء عقولهم وأمن قلوبهم، وانتقل الإيمان من قلوبهم إلى عقلوهم، فأخضعوا النصوص المقدسة لأهوائهم وأغراضهم، وبعد أن كانوا يتسابقون في اعتزاز وفخر للخضوع والإذعان والطاعة لكل ما يشير به الوحي. ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) أصبحوا كما أصبحنا خرافاً هائمة في غابة تسكنها ذئاب مسعورة.
(٤٦) التاريخ الإسلامي - ١ ص ٣٤٩.
فلم تكد تهدأ المعركة في ( صفين ) حتى قامت معركة أشد ضراوة وفتكاً بالمسلمين، تلك هي معركة الفرق الكلامية التي بلغت كما يقول المؤرخون أكثر من سبعين فرقة، نذكر فيما يلي، عرضاً ملخصاً لأهم تلك الفرق ومبادئها كمثال نضربه للتمييز بين الملة والنحلة أو الدين والرأى في التراث الإسلامي.
ولكن ينبغي التنبيه هنا إلى فارق جوهري بين دور الفرق في الديانات الثلاثة، فإنه بينما يمكن القول بأن فرق اليهود والمسيحيين قامت بدور بارز في بناء اليهودية والمسيحية بوضعها الراهن، بشكل لا نستطيع معه، اعتماداً على وثائقها الدينية، تمييز الملة من النحلة فيهما، إلا أن الأمر يختلف بالنسبة للفرق الإسلامية التي يمكن بسهولة نقد آراءها وتمييز الملة من النحلة في معتقداتها ومذاهبها ومقدار بعدها أو قربها من الدين كما نزل به الوحي الذي يمثله بين أيدينا الآن القرآن والأحاديث الصحيحة فقط باتفاق الفرق الإسلامية جميعاً.
بمعنى أنه إذا لم يكن عند اليهود والمسيحيين من معيار موضوعي يتفقون عليه في نقد فرقهم وتمييز الملة من النحلة في مذاهبهم إلا ما تعترف به الفرق من وثائق مختلفون في الاتفاق عليها أو التسليم بها، فإن القرآن الكريم يمثل المعيار الفوقي الذي تتفق كل الفرق الإسلامية عليه كمعيار وحيد له القوامة والهيمنة على آرائها ومذاهبها والذي يعتمد عليه المسلمون في تمييز الملة من النحلة في آراء تلك الفرق ومذاهبها.
فليس للفرق الإسلامية العصمة أو القداسة التي للفرق اليهودية والمسيحية عند أتباعها، وليس لها نفس الدور الذي قامت به تلك الفرق في بناء دينها بشكل ربما يختلف كلية عنه في صورته التي نزل بها. بل على العكس من ذلك فإن معظم علماء المسلمين يجعلون من الفرق الإسلامية واختلافاتها سبباً رئيسياً في ضعف المسلمين وانحسار الدعوة الإسلامية.
الخوارج
وهم أول فرقة ظهرت في التاريخ الإسلامي، لها مذهب وتفسير خاص في المسائل الاعتقادية.
واسم الخوارج جاء من أنهم خرجوا على على، وإن كان من الخوارج من يشتق هذا الاسم من الخروج في سبيل الله أخذاً من قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ يُخْرُجُ مِنْ بَيْنَهِ مُهَاجِرًا إِلَى آلَهَ وَرَسُولِهِ ﴾
ثُمَّ يَدْرِكُهُ آلَمُوتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى آلَهَ ﴿٤٧﴾
ومنهم من سموا أنفسهم « الشراه » أي أنهم باعوا أنفسهم لله أخذاً من قوله تعالى:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ ﴾
مَرْضَاتِ آلَهَ وَآلَهَ رُؤُوفُ بِالْعِبَادِ ﴿٤٧﴾
وهذه التأويلات تعطينا الدلالة، على أن الخوارج يلتمسون تأييد موقفهم من القرآن وتفسيره بما يؤيد دعواهم.
وقد حاربهم على في موقعة شهيرة، تعرف بوقعة « النهروان » فهزمهم وأباد عدداً كثيراً منهم، إلا أنه لم يقض عليهم تماماً، بل تمكنوا من اغتياله على يد رجل منهم يدعى عبد الرحمن بن ملجم سنة ٤٠ هـ، وبعد موقعة النهروان انقسم الخوارج إلى فرعين:
(٤٧) النساء/١٠٠.
(٤٨) البقرة/٢٠٧.
أحدهما بالعراق وما حولها واتخذوا البطائح بالقرب من البصرة مركزاً لهم، وقد استولوا على كرمان وفارس كما هددوا البصرة، واشتهر من رجالهم نافع بن الأزرق، وقطرى بن الفجاءة.
الثاني: بجزيرة العرب، وقد استولوا على اليمامة وحضرموت واليمن والطائف، ومن أشهر زعمائهم، أبو طالوت، ونجدة بن عامر، وأبو فديك.
ما يجمع عليه الخوارج:
والخوارج على اختلاف فرقها تجمع عن أمرين: الأول: الإمامة ليست من أصول الدين، بل هي أمر دنيوى، تقوم بالاختيار الحر لمن يرى فيه القدرة على رعاية المصلحة العامة للمسلمين، وإذا تم اختيار الإمام، فلا يجوز عزله، إلا إذا خرج عن الشرع والعمل به، فإن حاد عن الاستقامة عزل وإن رفض يحل قتله، ولهذا فهم يتبرؤون من عثمان وعلى، لأنهما في نظرهم انحرفا عن الحكم بما أنزل الله، كما يكفرون أصحاب الجمل ومعاوية وأصحابه، وكل من خالفهم من المسلمين.
الثاني: مرتكب الكبيرة كافر، لأن الإسلام لا يتحقق إلا بإجتماع ثلاثة أمور: الإقرار باللسان، والتصديق بالقلب، والعمل، فالعمل ركن من الإسلام، فمن خالف أمراً أو نهياً للشرع، يكون كافراً.
والخوارج استنفدوا كثيراً من جهد ودماء المسلمين، ويلاحظ أن آراءهم تدور في جوهرها حول أمور عملية، فقد ظلت الكبيرة هي المحور الذي تدور حوله أفكارهم وكانت السبب في اختلافهم فيما بينهم إلى فرق عديدة يكفر بعضها بعضاً، كما أنهم يفترقون لأوهى الأسباب، مما يؤكد الطابع البدوي، وضحالة التراث العلمي أو الفكري عندهم، مما كان سبباً في انقراضهم سريعاً وعدم إسهامهم بنصيب يذكر في حركة الفكر الإسلامي (٤٩).
(٤٩) انظر الملل والنحل ج ١.
الشيعة
والشيعة إذا أخذت بمعناها العام وهو النصرة أو الموافقة، كانت صفة تشمل كل من ناصر علياً سواء قبل خلافته أو بعدها، من جمهور المسلمين والصحابة، أما إذا قصد بها الذين كان لهم رأى واعتقاد معين في شخص على وخلافته وأراء دينية في الإمامة، وهو ما نعنيه هنا، كانت لقباً يطلق على جماعة خاصة من أنصار على، لهم رأى واعتقاد معين دعوا إليه بالرأى والسيف، ودافعوا عنه كذلك بالرأى والسيف.
والتشيع كمذهب أو حزب لعلى، انضم إليه نوعيات مختلفة بأغراض مختلفة.
-
فمنهم من تشيع لعلى، لاعتقاده بأحقيته في الخلافة، ليس لأنها أمر ديني أو إلهي، وإنما لصفات رأوها فيه تجعله أحق من غيره في تولى هذا المنصب الخطير.
-
ومنهم من تشيع له لا حباً فيه ولا حماساً لكفاءته، وإنما كرهاً في الأمويين والعباسيين.
-
ومنهم من تشيع لعلى متأثراً في ذلك باعتقاد خاص في الحكم وأصوله، مثل الذين أسلموا من الفرس، فقد نشأوا على تعظيم وإجلال البيت المالك وتقديسه، فلما دخلوا الإسلام نظروا إلى النبي ﷺ وأله بيته نظرة كسروية، فإذا مات النبي ﷺ، فأحق الناس بخلافته هم أهل بيته.
-
ومنهم من تشيع لعلى، لا حباً فيه بل كرهاً في الإسلام وأهله، فاتخذوا من على وأولاده مطية لتحقيق أغراضهم الخبيثة وبث روح الفرقة والانقسام بين المسلمين وتفتيت وحدتهم، عن طريق تشويش اعتقاداتهم وإفساد دينهم حتى يتم القضاء عليهم.
والتشيع، كفرقة كلامية لها رأى واعتقادات خاصة في على وخلافته، أو اتخذت من على أداة لنشر فكر ودعاوى معينة، انقسمت إلى فرق عديدة حفلت
بها كتب التاريخ والمؤرخين، وإن كان يمكن حصر أسباب هذه الانقسامات في أمرين:
الأول: الاختلاف في الاعتقاد والرأى:
فمنهم المغالى المتطرف الذى يأخذ من قضية الإمامة سيلاً إلى تحقيق أهداف هدامة للإسلام والمسلمين ونشر عقائد غريبة عن الإسلام.
ومنهم المعتدل الذى تدور تعاليمه حول قضية الإمامة فقط، واعتقاده بأحقية على وتفضيله فيها على من سواه، دون تفكير لمن خالفهم، ولا يتجاوزون هذه المسألة إلى تقرير عقائد أخرى كالفريق الأول، فهم في غير قضية الإمامة يلتقون إلى حد بعيد في الأمور الدينية مع غيرهم من جمهور المسلمين.
الثاني: الاختلاف في تعيين الأئمة:
فقد أعقب على وأبناؤه كثيرين، فاختلفت الشيعة فيما بينهم على تعيين الأئمة من ذرية على ومسار الإمامة فيهم، فمنهم من يقف عند إمام معين، ويقول برجعته، ومنهم من يصرفها في عقبه، ومنهم من يصرفها إلى أخوته وهكذا.
وقد حفلت كتب المؤرخين مثل الشهرستاني في « الملل والنحل » والبغدادى في « الفرق بين الفرق » وابن حزم في « الفصل والملل والأهواء والنحل »، بتفصيلات كثيرة في هذا الشأن، ويمكن الرجوع إليها لمن شاء، ويعنينا هنا ذكر أهم فرقتين لهما وزن في تاريخ التشيع، كما أنهما يمثلان كلا الاتجاهين أعنى - الغلاة، والمعتدلين - وهما:
الإمامية. وتمثل الاتجاه المتطرف: والزيدية وتمثل الاتجاه المعتدل.
الإمامية
سموا بهذا الإسم لأنهم اتخذوا من مسألة الإمامة نقطة الارتكاز لنشر كل تعاليمهم، التي تجاوزت كثيراً النظر في الإمامة وشروطها، إلى بث مبادئ وعقائد غريبة عن الإسلام، ورأس هؤلاء، عبدالله بن سبأ، كان يهودياً ثم أعلن إسلامه في عهد عثمان، وغلا في على، حتى زعم أن الله حل فيه، وأخذ يدعو أنه أحق بالخلافة، وطعن على عثمان فنفاه، فذهب إلى البصرة وبث فيها فتنته فأخرج منها، فذهب إلى الكوفة ونشر دعوته وصدقه كثير من العامة والجهلاء ولما عظم خطره نفى منها، فذهب إلى دمشق ولكنه لم يجد لدعوته صدى فيها، فذهب إلى مصر، فجند أعواناً ودعاة لفتنته التي انتهت بقتل عثمان رضي الله عنه (٤٩).
وأساس دعوته أن الإمامة أمر إلهي، يجب على كل رسول أو إمام أن يعين من يخلفه، وقد وصى الرسول ﷺ لعلى بالخلافة، إلا أن أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة تواطأوا على إخفاء النصوص التي تؤكد حق على في الخلافة، ولهذا فهم أولاً، مغتصبون لحق على في الإمامة، وثانياً وهو الغرض الحقيقي من دعوته، مدلسون في الدين، غير أمناء عليه، ولا يحق لأحد أن يأخذ شيئاً من أمور دينه عنهم، فإذا كانوا هم الذين قاموا بجمع القرآن ونقل كثير من أحاديث الرسول، فالنتيجة التي يبغي ابن سبأ الوصول إليها، هي تشكيك المسلمين في المصادر الأصلية للدين.
ومن هنا نستطيع القول بأن نظرية الإمامة، نظرية غريبة على الفكر الإسلامي ومدسوسة عليه بهدف إفساد عقائد المسلمين وهدم وحدتهم ثم القضاء عليهم.
(٥٠) انظر تاريخ الطبري ٣٧٨/٣ - ٣٧٩ - مطبعة الاستقامة القاهرة ١٩٣٩ م، الفصل في الملل والنحل ١١/٢ دار المثنى بغداد.
أولاً: عصمة الأئمة ووجوب اتباعهم:
الأئمة معصمون من الخطأ وارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن لأنهم معينون من قبل الله ورسوله لهداية الناس، فهم مقدسون ومعصومون، والإمام يتلقى علمه عن طريق الوحى، ويعده الله إعداداً خاصاً من وقت أن يكون نطفة فيحفظه ويعصمه من الذنوب صغيرها وكبيرها، ويورثه علم الأنبياء والمرسلين. ويطلعه على الغيب، ما كان وما يكون إلى آخر الزمان، وهو المرجع الوحيد في معرفة الحق والباطل، فالإيمان به واتباعه ومعرفته جزء من الإيمان، بل هو الإيمان كله، فلا تضر مع معرفته معصية، كما لا تنفع مع جهلة طاعة، فالصلاة والصوم والزكاة والحج لا تنفع دون معرفته وطاعته. لأنه المرجع في القول والعمل، حيث إنهم لا يعينون من قبل الناس، وإنما الذي يعينهم هو الله ورسوله بالنص عليهم واحداً فواحداً فطاعتهم واجبة بدليل قوله تعالى:
﴿ يَتَأْيَهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱطْيَعُوا ٱللَّهَ وَأَطْيَعُوا ﴾
ٱلرَّسُولُ وَأُولِي ٱلْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴿٥١﴾
يقولون: نزلت هذه الآية في على والحسن والحسين، وقوله ﷺ: « من كنت مولاه فعلى مولاه ».
ونصوص أخرى كثيرة يؤولونها تأويلاً متعسفاً لخدمة مذهبهم (٥٢).
والملائكة تدخل بيوت الأئمة وتطأ بسطهم، وتأتيهم بالأخبار، وتعرض عليهم أعمال الناس، وليس من الحق من أيدي الناس، إلا ما خرج من عند الأئمة، وأن كل شئ لم يخرج من عندهم فهو باطل، لأن الأرض كلها ملك الإمام متأولين قوله تعالى:
(٥١) النساء/٥٩.
(٥٢) انظر زاد المعاد ٢/٣ - ٣ - ابن القيم الجوزي - دار الفكر - بيروت ١٩٧٢ م حيث شكك فيه أهل الحديث.
فأهل البيت هم الورثة وهم المتقون، وهم الذين يوزعون خيرات الأرض في المقاصد التي يرونها، كما أنهم الذين يملكون الشفاعة، فمن أقر بإمامتهم وعصمتهم، استحق شفاعتهم يوم القيامة. لأن الإعتقاد في الإمام كاف في محو السيئات ورفع الدرجات، أي أن مقياس الإيمان والثواب والعقاب هو معرفة الإمام والإقرار به وطاعته، ومن وصل إلى هذه الدرجة يسقط عنه التكاليف والأحكام.
ثانياً: القول بأن للنصوص الدينية ظاهر وباطن:
الظاهر ليس مقصوداً لذاته أو العمل به، وإنما هو وسيلة فقط لترويض الناس على الطاعة. وتلقى ما تحت هذه الظواهر من أسرار وغايات خفية، لا يعلمها إلا الأئمة، وهي المقصود الأصلي للدين، فلا يؤمن الإنسان حتى يعرفها، ولا يعرفها إلا عن الإمام، فيكون الإيمان في جوهره هو معرفة الإمام وطاعته.
ثانياً: التقية:
ومعناها، أن يظهر الإنسان غير ما يبطن إذا خاف على نفسه أو ماله أو عرضه، والتقية عند الشيعة الإمامية جزء مكمل لتعاليمهم، تواصوا بها كمبدأ رئيسي في دعوتهم، كما أنها السبب في الغموض والتضارب الذي يقع فيه المؤرخون عنهم، وبهذا المبدأ استطاعوا أن يفسروا كثيراً من مواقف الأئمة، فقالوا مثلاً: أن سكوت على رضي الله عنه على اغتصاب أبي بكر وعمر حقه في الخلافة. كان تقية، واختفاء بعض الأئمة، كان تقية، وجعل الكلام له ظاهر وباطن، تقية، وهكذا.
هذه هي خلاصة المبادئ التي يجمع عليها الإمامية على اختلاف فرقهم، نقلناها على أوثق مصادرهم التي يعترفون بها، وعن أوثق من أرخ لهم مثل الشهرستاني في « الملل والنحل » والبغدادي في الفرق بين الفرق، والغزالي في « فضائح الباطنية » وابن خلدون في مقدمته، وأحمد أمين في فجر الإسلام ج ٣.
الزيدية
وهي الجناح المعتدل من الشيعة، وسنعرض لهم من خلال سيرة الإمام زيد نفسه، لأن الضابط في عرض فرق الشيعة ينبغي أن يكون المقالة نفسها، وهذا يعنى أن الفرق التي تنسب نفسها إلى الزيدية، إلا أنها تقول بما تقوله الإمامية، تعتبر في نظرنا من فرق الإمامية مبدأ ومقالة ولنضرب لذلك مثالاً:
فالشهرستاني مثلاً: يذكر بعض الفرق على أنها من فرق الزيدية، رغم أنه يقول عنهم: ( ومالت أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول، وطعنت في الصحابة طعن الإمامية، وهم أصناف ثلاثة: جارودية وسليمانية، وبئرية ) (٥٤)، فتلك الفرق، تعتبر في نظرنا من فرق الإمامية ما دامت قد قالت بمقالتها، فالعبرة بالاعتقاد لا بالإنتساب، وهذا هو المنهج الذي نعرض به فرق الشيعة.
والزيدية هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عن المؤمنين منهم جميعاً، وكان زيد يمتاز بالخلق والعلم، واجتهد في تحصيل الأصول والفروع حتى بلغ الغاية فيهما، تتلمذ على واصل بن عطاء رأس المعتزلة في الأصول، ولذلك ترى الزيدية يدينون بمذهب الإعتزال في العقائد، وقد خرج عليه معظم الشيعة لأنه لم يتبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان وقال بصحة خلافتهم.
دعوته:
وكانت دعوة زيد رضي الله عنه تقوم على مبدأين:
الأول: الثأر من الأمويين قتلة جده الحسين.
الثاني: أحقيته بالخلافة من خصومه الأمويين الذين اغتصبوا حق جده على ابن أبي طالب فيها.
(٥٤) الملل والنحل ١/ ١٤٠.
لهذا خرج لقتال هشام بن عبد الملك الخليفة الأموى رغم نصح المقرين له وخوفهم عليه من القتل كما حدث لجده الحسين، إلا أنه لم يلتفت إليهم، وبعث الدعاة لأهل العراق المشجعين له والناقمين على حكم بني أمية، وكانت بيعته التي بايع عليها الناس نصها ما يلي: ( إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وأعطاء المؤمنين، وقسم الفيء بين أهله بالسواء، ورد المظالم، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا وجهل حقنا، أتبايعون على ذلك؟ فإذا قالوا: نعم، وضع يده على أيديهم ).
وتلك البيعة تلخص فكر واعتقاد زيد وغايته الإصلاحية.
وبعد أن استوثق البيعة من أتباعه، واطمأن إلى كثرة عددهم، وتمام استعدادهم، أمر بالخروج لقتال الأمويين، إلا أنه عندما بدأت المعركة انفض عنه معظم أتباعه، فقاتل بمن بقي معه حتى استشهد رضي الله عنه وحملت رأسه إلى هشام بن عبد الملك سنة ١٢٢ هـ.
تعاليمهم:
ونسوقها كما عرضها الشهرستاني في الملل والنحل يقول:
-
أتباع زيد بن علي ساقوا الأمامة في أولاد فاطمة، ولم يجوزوا ثبوت أمامة في غيرهم ( أي نسل على من نسائه الأخرى ).
-
جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج للأمامة يكون إماماً واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين.
-
جوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، ويكون لكل واحد منهما حق الطاعة.
-
كان من مذهبه ( أي زيد ) جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، فقال، كان على بن أبي طالب رضي الله عنه أفضل الصحابة. إلا أن الخلافة فوضت لأبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها، من تسكين ثائرة الفتنة وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريباً وسيف أمير المؤمنين على، عن دماء المشركين من قريش وغيرهم لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل، فكانت المصلحة أن يكون القائم بهذا الشأن من عرفوه باللين والتؤدة
والتقدم في السن والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله ﷺ، ألا ترى أنه لما أراد ( يقصد أبي بكر ) في مرضه الذي مات فيه تقليد الأمر عمر بن الخطاب، زعق الناس، وقالوا: لقد وليت علينا فظاً غليظاً، فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب لشدته وصلابته وغلظه في الدين وفظاظته على الأعداء، حتى سكنهم أبو بكر بقوله: لو سألنى ربي لقلت وليت عليهم خيرهم لهم » ( ٥٥ ).
- وهذا القول عن زيد يتبين منه إجلاله واحترامه لأبي بكر وعمر، ولو أنه يرى أن علياً أفضل إلا أن المصلحة العامة يجب مراعاتها في تولية الإمام، ولم يشر زيد إلى حقوق إلهية أو روحية يستحق بها على الخلافة.
فالزيدية إذن، في تعاليمهم أقرب إلى أهل السنة وجماعة المسلمين لأنهم لا يقولون في المسائل الإعتقادية بأمور تشذ عن غيرهم من فرق المتكلمين مثل المعتزلة وغيرهم، ويمكن أن نقول أن نظرتهم إلى الإمامة نظرة سياسية أكثر منها دينية أصولية كما أرادها الغلاة من الشيعة، فهم لا يقولون بعصمة الإمام. ولا يكفرون أو يتبرأون من مخالفهم، كما أنهم يشترطون في الإمام الإجتهاد على أساس الكتاب والسنة الصحيحة، ولذلك كثر فيهم الإجتهاد وكثرت آراؤهم الفقهية ونبغ منهم كثير في الأصول والفروع.
المرجعية
والمرجعة تعتبر مذهباً وسطاً ظهر ثمرة للصراع، بين الشيعة، الذين يكفرون من عداهم ممن لا يؤمن بالإمامة، وبين الخوارج، الذين يكفرون مرتكب الكبيرة ويكفرون من عداهم، في هذا الجو ظهرت نظرية الأرجاء ومعناها، تفويض الحكم على المسلم العاصي المقر بالشهادتين إلى الله تعالى، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ثم تطور هذا القول إلى مذهب له مبادئه الكلامية، التي تتلخص في تلك الجملة: « لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة ».
فهم على اختلاف فرقهم، تدور مبادئهم حول مفهوم الإيمان، وعلاقته بالعمل، وإجماعهم على عدم تكفير صاحب الكبيرة. كما ذهب إلى ذلك الخوارج أو تخليدهم في النار كما ذهب إلى ذلك المعتزلة.
والمرجعة وإن اعتبروا أكثر المذاهب تسامحاً، إلا أن فكرهم ينم عن سطحية، ولهذا لم يكن لهم كبير شأن في الحركة الفكرية للمسلمين(٥٦).
(٥٦) انظر ج ١ ص ١٢٥ - ١٣٠.
المعتزلة
وهم أول من بحث في الله وصفاته، ومسئولية الإنسان أمام الله، بما يعرف بمشكلة القدر، بحثاً فلسفياً، يقول الشهرستاني: ( وأما الإختلافات في الأصول فحدث في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهنى، وغيلان الدمشقى، ويونس الأسوارى. في القول بالقدر، وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال، وكان تلميذ الحسن البصرى ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون فخلطت مناهجها مناهج الكلام ) (٥٧).
فالمعتزلة كانوا أول فرقة في الإسلام بحث في العقائد بحثاً فلسفياً عقلياً أما أشهر فرقهم فهى:
أولاً: الواصلية:
وهم أصحاب واصل بن عطاء الغزل رأس المعتزلة المتوفى سنة ١٣١ هـ.
تعاليمهم:
١ - القول بنفى الصفات زائدة على الذات:
بمعنى أن صفات الله، من حياة وقدرة وعلم وإرادة وغيرها « إنما هي صفات سلبية لا تقتضي للذات شيئاً زائداً عليها « فالعلم معناه، نفى الجهل عن ذاته تعالى، والقدرة معناها، نفى العجز عن ذاته تعالى، وهكذا في باقي الصفات ».
٢ - القول بالقدر:
ومعناه « عدم إسناد ما يصدر عن الإنسان من خير أو شر إلى القدر، فالإنسان هو الذى يخلق أفعاله الاختيارية وهو المسئول عنها.
(٥٧) الملل والنحل ٣٥/١ - ٣٦.
٣ - القول بالمنزلة بين المنزلتين:
وهو رأيهم في مرتكب الكبيرة، وأول من قال به واصل بن عطاء، عندما استفتى أستاذه الحسن البصرى في حكم مرتكب الكبيرة، وقبل أن يجيب، قال واصل: أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو منزلة بينهما، ثم انتحى ناحية من المسجد يقرر مذهبه.
فقال الحسن: اعتزلنا واصل، وهذا أشهر ما قيل في سبب تسميتهم بالمعتزلة.
٤ - يقول في أصحاب الجمل وصفين، أن أحدهما مخطئ لا بعينه:
فأحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أن أحد المتلاعبين فاسق لا محالة لكن لا بعينه، ومن هنا فإن الواصلية يردون شهادة الجميع، ولا يأخذون ما يروونه من أحاديث الرسول ﷺ.
ثانياً: الهزيلية:
وهم أصحاب أبي الهزيل حمدان بن الهزيل العلاف رئيس المعتزلة في عصره، وهو أول من خلط مبادئ المعتزلة بالفلسفة اليونانية، وتوفى سنة ٢٣٥ هـ وقد انفرد عن الواصلية بأقوال أهمها:
١ - إن أهل الجنة والنار يصيرون إلى سكون دائم.
٢ - لا تخلو الأرض عن جماعة هم أولياء الله، معصمون لا يكذبون وهم الحجة في الأحكام ويؤخذ عنهم الدين، أما التواتر فليس مصدراً يعتمد عليه. إذ يجوز أن يكذب الجماعة مهما كثر عددهم، إذ لم يكونوا أولياء الله عصمهم من الخطأ، وهذا القول قريب من مذهب الإمامية.
ثالثاً: النظامية:
وهم أصحاب إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام البصرى، كان تلميذاً للعلاف، ثم انفرد عنه وكون مذهباً خاصاً به، وعاش في بغداد حيث توفى شاباً سنة ٢٢١ هـ.
تعاليمه:
١ - زاد على القول بالقدر، قوله أن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وإنما قدرته تتعلق فقط بما فيه صلاح العباد، ولا يقدر على فعل ما ليس فيه صلاحهم، وقد تأثر النظام في هذا القول بالفلسفة اليونانية حيث ذهبت إلى أن الجواد لا يجوز أن يدخر شيئاً، لا يفعله، فما أبدعه وأوجده هو المقدور له، ولو كان في علمه ما هو أفضل مما أبدعه وأوجده لفعل.
٢ - وافق الفلاسفة في نفي الجزء الذي لا يتجزأ، وهي قضية دار الجدل فيها طويلاً في الفلسفة اليونانية واتخذها المتكلمون في الإسلام أساساً بنوا عليه بناءهم العقدي.
٣ - يذهب كما ذهب الشيعة الإمامية إلى إنكار الإجماع كأصل من أصول الأحكام الشرعية، فأنكر حجيته الشرعية، وكذلك القياس، وإنما الحجة عنده هو الإمام المعصوم، والنبي ﷺ قد نص على خلافة على بعده، ولكن أبا بكر وعمر وعثمان أخفوا هذه النصوص لاغتصاب حق على في الخلافة.
٤ - القول بالحسن والقبح العقلي، فالحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، والشرع إنما يأتي مصدقاً لحكم العقل في الأشياء والأفعال وعلى هذا يكون التكليف بالعقل لا بالشرع، فيجب على الإنسان الإيمان بالله قبل ورود أمر الشرع بذلك.
رابعاً: الخابطية والحدثية:
وهم أصحاب تلميذين من تلاميذ النظام يدعى الأول أحمد بن خابط، وأما الثاني فيدعى الفضل الحدثي، وقد تأثرا بالفلسفة اليونانية مثل أستاذهما وانفردا عنه بثلاث مقالات:
١ - قولهم في عيسى مثل ما قال النصارى إنه هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة.
٢ - القول بالتناسخ. لأن الله خلق الناس أصحاء عقلاً وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ثم كلفهم شكره وطاعته فمن أطاعه في كل ما أمر فهو في الجنة خالداً فيها، ومن عصاه في كل أمر فمقره النار خالداً فيها، أما من كان بين
بين، فسيظل في الدنيا يموت ويحيا، تتعذب روحه بالتقلب بين الأجساد الإنسانية والحيوانية على قدر دنوبه.
٣ - إنكار رؤية الله تعالى ويؤولون النصوص التي تفيد الرؤية ويردوها إلى قوله تعالى:
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصُرُوهُونَ دِرِكُ الْأَبْصُرُوهُوا لَطِيفُ الْخَيْرِ ﴾
خامساً: البشرية:
وهم أصحاب بشر بن المعتمر مؤسس مدرسة الاعتزال ببغداد توفي سنة ٢١٠ هـ.
وأهم ما أضافه، القول بنظرية التولد.. ومعناه الأثر المتولد عن الفعل.
فالمعتزلة كما رأينا يقرون أن الإنسان هو الخالق لأفعاله الاختيارية، وقد ثار على هذا تساؤل عن الأعمال التي لا تكون من فعل العبد وإنما تكون نتيجة أو أثراً لأفعاله، فمثلاً إذا ضرب إنسان إنساناً آخر، فلا شك أن الضرب من فعل الضارب ولكن الألم المترتب على الضرب ليس من فعله، وإنما هو متولد عن الفعل، فهل الألم المتولد عن الضرب يحاسب عليه الضارب أولاً؟
فذهب بشر إلى أن المتولدات كلها ثمار لفعل الإنسان وخلقه فهو مسئول عنها مسئوليته عن الفعل الأصلي.
سادساً: التمامية:
واهم أصحاب تمامة بن أشرس الخميري الذي عاصر الرشيد والمأمون، يقول عنه الشهرستاني: ( كان جامعاً بين سخافة الدين وخلاعة النفس ) (٥٨).
(٥٨) الملل والنحل ٦٨/١.
وأهم ما أضافه مقالتين:
١ - عارض بشر بن المعتمر في نظرية التولد فذهب إلى أن المتولدات لا فاعل لها، لأنه لا يمكن إضافتها إلى فاعل أسبابها، فالإنسان إذا فعل فعلاً ومات ثم تولد عن فعله شئ بعد موته، فلا يمكن إضافته إليه ولا محاسبته عليه. كما لا يمكن إضافته إلى الله تعالى، لأنه يؤدى إلى إسناد القبيح إليه تعالى، وهذا باطل ومحال، فيبقى أن المتولدات لا فاعل لها.
٢ - الكفار وغير المكلفين يصيرون إلى تراب يوم القيامة، وفي هذا إنكار لبعثهم وعذابهم في النار.
سابعاً: المردادية:
وهم أصحاب عيسى بن صبيح الملقب بالمرداد، وكان تلميذ البشر بن المعتمر وانفرد عنه بمقالات أهمها:
١ - الناس قادرون على الإتيان بمثل القرآن، وإعجازه جاء من أن الله خلق القرآن في اللوح المحفوظ، والقرآن الذي بين أيدينا حكاية عنه.
٣ - تكفير من قال إن أفعال العباد مخلوقة لله، لأن في هذا إسناد الشر إلى الله تعالى وهذا كفر.
٤ - تكفير من قال يا مكان رؤية الله لأن في هذا تجسيم والله منزه عن الجسمية وتوابعها.
وقد غالت المردادية في تقدير مبادئ المعتزلة إلى حد أنهم كفروا كل من خالفهم، وهم في هذا مثل الخوارج سواء بسواء، فمعيار الكفر عندهم هو مخالفة المعتزلة أكثر مما هو مخالفة الإسلام. لأنهم يعتقدون أن الإسلام هو ما يقولون به دون غيرهم.
ثامناً: الجاحظية:
وهم أصحاب عمر بن بحر أبي عثمان الجاحظ، كان تلميذاً للنظام وامتداداً لمنهجه وفلسفته توفى سنة ٢٥٥ هـ.
تعاليمه:
١ - المعارف كلها ضرورية، بمعنى أن الإنسان مثلاً يفتح عينيه بإرادته وهذا كسبه، أما ما يشاهده بهما من الألوان والأشكال فإنما يقع في باصرته بالطبع والاضطرار.
٢ - رتب الجاحظ على مذهبه هذا، القول بأن من لم تبلغه الدعوة أو بلغته ولكنه عجز عن درك الحق فيها، فهو معذور ولا إثم عليه فلا يكون كافراً.
٣ - من عرف الإسلام كما تفهمه المعتزلة فهو مؤمن حقاً، أما من عرف ذلك وجحده وقال بالتشبيه أو الجبر، فهو مشرك حقاً، وإن لم ينظر في شئ من ذلك وآمن بالله ورسوله فهو مؤمن لا شئ عليه.
وهكذا نجد الجاحظ يكفر الفرق الأخرى من المتكلمين، وإن كان أقل تطرفاً من المرداد، حيث قد اشترط في الكفر العلم بمذهب المعتزلة ثم جحده.
الأشاعرة
رأينا أن أول مسألة شغلت الفكر الإسلامي هي مسألة مرتكب الكبيرة، وقد تطور الجدل فيها إلى البحث في نوع مسئولية الإنسان عن أفعاله وعلتها فيما يعرف بمسألة القدر، فظهرت نظرية الجبر التي تسلب الإنسان حريته واختياره في أفعاله وبالتالي إعفائه كلية من المسئولية، وظهر قول مضاد يذهب إلى القول باستقلال الإنسان وحريته واختياره وقدرته الكامنة على خلق أفعاله، وبهذا تصح المسئولية الإنسانية، ويصح الثواب والعقاب، وكان في كلا الرأيين، تفريط، وإفراط.
فإذا كان الرأي الأول يضحي بإرادة الإنسان في سبيل عظمة الخالق وتفرده بالخلق والاختيار، إلا أنه قد جعل من التكليف وإرسال الرسل وسنن الله في خلقه، مهزلة وعبثاً يجل مقام الألوهية عنها.
وإذا كان الرأي الثاني قد ضحي بالمشيئة والإرادة الإلهية في سبيل إثبات العدل والحكمة لله إلا أنه قد شكك في عموم القدرة والتفرد بالخلق لله سبحانه وتعالى.
فكلا الفريقين، نظر إلى المشكلة بعين عوراء، فلاحظ أمراً وغابت عليه أمور، وما ذاك إلا تأكيد لفشل العقل وحيرته عندما يتناول أمراً فوق طاقته. ثم اتسعت دائرة الجدل لتشمل أمور الخالق وصفاته. فمن يقول بالتشبيه والتجسيم، أخذاً بظواهر الآيات دون ردها إلى المبدأ الأساسي وهو ( ليس كمثله شيء ).
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ( ٥٩ )
ومن يعارض هذا القول، فيغرق في التأويل إلى حد التعطيل لصفات كثيرة وصف الله نفسه بها، مثل المعتزلة الذين ذهبوا إلى حد إنكار صفة السمع والبصر والكلام عن الله تعالى.
(٥٩) الشورى/١١.
وهكذا دار الخلاف بين الواقفين عند الظاهر، والمغالين في التأويل، إلى حد الصراع الدامى فيما يعرف بمشكلة خلق القرآن التى تعتبر أنموذجاً للنتائج التى تترتب على تشابك خيوط الملة بالنحلة وخلط كلام الوحى بكلام البشر، ومن وسط هذا الصراع الحاد ظهرت الأشاعرة كحل وسط يجمع بين طرفين متباعدين هدهما الصراع.
ولكن هل كان حلاً موفقاً عاد بالمسلمين إلى الوحدة والتوحيد الصحيح؟ هذا ما نشك فيه كثيراً لأنه حل قائم على النحلة والنحلة بطبيعتها لا تصلح أن تكون سبباً للوحدة والتوحيد.
وتنسب هذه الفرقة لمؤسسها الشيخ أبو الحسن الأشعرى المتوفى سنة ٣٢٤ هـ كان تلميذاً لأبي على الجبائى من شيوخ المعتزلة إلا أنه انفصل عنه بسبب نقاش شبيه بذلك النقاش الذى من أجله اعتزل واصل بن عطاء مجلس الحسن البصرى، وكون مدرسة مستقلة يعارض بها المعتزلة، وسار على نهجه تلاميذه من بعده، وكان جهدهم موجهاً إلى شرح آرائه ونظرياته والدعوة إليها، دون إضافات تذكر للأسس التى وضعها الأشعرى.
ومذهب الأشاعرة هو الأكثر ذيوعاً في العالم الإسلامي منذ القرن السادس الهجرى وحتى الآن.
تعاليمه:
ونكتفى هنا بعرض أهم آراء الأشعرى، لأنها هى المبادى التى لم يخرج عنها أتباعه كثيراً كما قلت إلا بالشرح والتأييد والجدل بها وعليها.
أولاً: مشكلة الصفات:
يقول الشهرستانى: ( قال أبو الحسن: البارى تعالى عالم بعلم قادر بقدرة حى بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع بسمع، بصير ببصر، وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى؛ لا يقال هى هو ولا هى غيره؛ ولا لا هو ولا غيره ) ( ٦٠ ).
ولكن كيف يمكن أن تكون الصفات لا هى هو، ولا هى غيره، إن في هذا القول ما يشعر بالتناقض، فإذا كانت الصفات هى الذات، فلا تكون
( ٦٠ ) الملل والنحل ٧٨/١.
غيرها، وإذا كانت غيرها، فلا تكون هي، أما أن تكون لا هي هو، ولا هي غيره، فهذا قول إما متناقض، وإما غامض يدق على الذهن العادى بل وغير العادى فهمه.
ثانياً: مشكلة الأفعال الاختيارية:
ويروى الشهرستانى عن الأشعرى أنه يقول: « لا تأثير للقدرة الحادثة فى الأحداث، غير أن الله تعالى أجرى سنته بأن يخلق عقيب القدرة الحادثة أو تحتها أو معها الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له، ويسمى الفعل كسباً فيكون خلقاً من الله تعالى إبداعاً وإحداثاً، وكسباً من العبد حصولاً تحت قدرته ) (٦١).
وهذا كلام فى غموض سابقه، فالأشعرى حين يجعل من قدرة الله أداة لتنفيذ الإرادة الإنسانية، فهو بين أمرين:
-
إما أنه يسلم بأن الإرادة الإنسانية مخلوقة لله تعالى لعموم الخلق والقدرة ويكون وجودها مثل عدمها، وهذا هو عين الجبر.
-
أو أنه يسلم بأنها من خلق الإنسان، فيكون قد وقع فى ملك الله ما ليس من خلقه، وهو ما لا يقول به.
ولا يفهم من ملاحظتنا هذه اثبات رأى معين فى تلك المشكلة وإنما أردت التنبيه إلى أن ما يقام بالجدل يمكن هدمه بالجدل فى الأمور التى لا تصلح للجدل ولا التكييف العقلى كالغيبات.
ثالثاً: مشكلة الرؤية:
علمنا أن المعتزلة ينكرون رؤية الله، أما الأشعرى فقد وافق السلف فى إمكان الرؤية إلا أن السلف فوضوا إلى الله كيفية تلك الرؤية، أما الأشعرى فقد فسرها تفسيراً عقلياً فقال: ( إن كل موجود يصح أن يرى، فإن المصحح للرؤية إنما هو الوجود ) (٦٢).
وهذا تعليل فاسد، لأنه إذا كان المقصود الرؤية البصرية، وهو ما يقرره الأشعرى فإن كثيراً من الموجودات لا ترى، فالعقل موجود ولا يرى، والروح
(٦١) السابق ٨٨/١ - ٨٩.
(٦٢) السابق ٩١/١.
موجودة ولا ترى، والأمم موجود ولا يرى، واللذة موجودة ولا ترى، فكل المعانى موجودة ولكنها لا ترى.
ولكن إذا ذهبنا للتعرف على ما يعنيه الأشعرى بالرؤية، وجدناه يفسرها تفسيراً يقترب كثيراً من رأى المعتزلة حيث يقول: ( ولا يجوز أن تتعلق به الرؤية على جهة، ومكان وصورة، ومقابلة واتصال شعاع. أو على سبيل الانطباع فإن كل ذلك مستحيل ).
ولما كانت الرؤية البصرية، هي ما اجتمعت فيها كل هذه الشروط وانتفاؤها يخرج الرؤية عن أن تكون بصرية، إذن فالرؤية التي يعنيها الأشعرى رؤية عقلية، أو نوع من العلم، وهذا ما يقوله المعتزلة.
رابعاً: مرتكب الكبيرة:
يقول الأشعرى: ( الإيمان هو التصديق بالجنان، وأما القول باللسان والعمل بالأركان ففروعه، فمن صدق بالقلب أي أقر بوحدانية الله تعالى واعترف برسله تصديقاً لهم فيما جاءوا به من عند الله تعالى بالقلب، صح إيمانه، ولا يخرج من الإيمان إلا بإنكار شئ من ذلك. وصاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا من غير توبة يكون حكمه إلى الله تعالى ) (٦٣).
وقوله هذا قريب من قول المرجعة كما سبق قوله.
خامساً: الوعد والوعيد:
يقول: ( لا يجب على الله كما قالت المعتزلة اثابة المطيع، ولا عقاب العاصي، وإنما يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفا، ولو أدخلهم النار لم يكن جوراً، إذ الظلم هو التصرف فيما لا يملكه المتصرف، أو وضع الشئ في غير موضعه، وهو المالك المطلق ) (٦٤).
وهذا القول من الأشعرى لا يتفق وجلال الله سبحانه وتعالى، ولا يليق التصريح به، لأنه يمكن أن يثير هذا التساؤل: هل وضع الشئ في موضعه هو إثابة المسئ وعقاب الحسن؟!
(٦٣) السابق ٩٢/١.
(٦٤) السابق ٩٣/١.