حمدي عبد العالorigins.faith
النص العربي مستخرج آلياً من نسخة ممسوحة؛ قد تقع أخطاء، خاصة في الآيات والحواشي. إن رأيت خطأً فاضغط «أبلغ عن خطأ» في الصفحة. الآراء الواردة في الكتاب آراء المؤلف.

تحريف كتبهم المقدسة

تحريف كتبهم المقدسة:

والواقع أن هذه مسألة قد انتهى الجدل فيها بين الثقاة من العلماء والباحثين، ولم يعد بينهم خلاف يذكر حول تحريف اليهود لكتبهم المقدسة، والتفاوت بينهم، إنما هو من حيث الكم والكيف فيما يقدمونه من أدلة، ونحن فيما نقدمه هنا من أدلة. ليس إلا إضافة أو تذكير بما أقاموه من أدلة:

١ - تضخم التوراة بفعل اليهود:

وسنعتمد في هذا على التوراة نفسها، فالتوراة التي بين أيدينا الآن. لا يمكن أن تكون كلماتها بنفس الكم الذي نزلت به، فنحن نرى أسفارها الخمسة تملأ ٣٧٩ صفحة بالحروف الصغيرة، بينما التوراة نفسها تحدد لنا الصورة التي نزلت بها، بشكل لا وجه فيه للمقارنة بين حجمها الحالي، وحجمها الذي نزلت به، حيث يذكر سفر الخروج، أن موسى تلقى التوراة مكتوبة على لوحين من حجر:

« وقال الرب لموسى اصعد إلى الجبل وكن هناك فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم » (٤٦).

« فانصرف موسى ونزل من الجبل ولوحا الشهادة في يده لوحان مكتوبان على جانبيهما من هنا ومن هناك كانا مكتوبين » (٤٧).

وقد يتبادر إلى الذهن، أنه لا مانع عقلاً من أن يكون اللوحان من العظم والإتساع، بحيث يملأ المسطر عليها ٣٧٩ صفحة من الورق كما نراها الآن.

ولكن التوراة نفسها تدفع هذا الاحتمال حين تحدد حجم اللوحين بالتابوت الذي أمر الله موسى أن يصنعه ويحفظ فيه التوراة:

(٤٦) ٢٤: ١٢.

(٤٧) ٣٢: ١٥.

« تابوتاً من خشب طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف، وإرتفاعه ذراع ونصف، وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك » (٤٨).

وقد يرد على الذهن إحتمال أن ما كتب على اللوحين، بلغت حروفه حداً من الصغر، بحيث إذا نقلت كلماته على الورق، ملأت صفحات عديدة، ونحن نرى الآن القرآن الكريم يكتب في صفحة واحدة لا تزيد كثيراً عن ذراع في ذراع.

ومرة أخرى نجد التوراة نفسها تدفع هذا الإحتمال، حين تحدد لنا الزمن الذي يستغرقه كتابتها وقراءتها، بحيث لا يبقى لدينا أدنى شك في تقدير حجمها، وأنها لا تزيد عن كلمات لا تملأ أكثر من بضع ورقات.

« وكتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة بني لاوى حاملي تابوت عهد الرب ولجميع شيوخ إسرائيل وأمرهم موسى قائلاً.. في عيد المظال.. تقرأ هذه التوراة أمام كل إسرائيل في مسامعهم » (٤٩).

ويحدد لنا سفر يشوع الزمن بدقة أكثر، حين يذكر أن يشوع نقش نسخة من التوراة على الحجر وتلاها على الشعب في جلسة واحدة:

« وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى. وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة، البركة واللعنة، حسب كل ما كتب في سفر التوراة لم تكن كلمة من كل ما أمر به موسى لم يقرأها يشوع قدام كل جماعة إسرائيل » (٥٠).

ولكن قد يرد إحتمال أخير: أليس من الجائز أن يكون موسى عليه السلام قد تلقى مع اللوحين نصوص أخرى، وأن المجموع هو ما يطلق عليه التوراة.

ولكن هذا الإحتمال الأخير نجد ما يرده من سفر الملوك الأول حيث يذكر بوضوح أن سليمان حين نقل التابوت إلى المعبد الذي بناه، لم يكن فيه سوى اللوحين:

« لم يكن في التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى هناك في حوريب حين عاهد الرب بني إسرائيل عند خروجهم من أرض مصر » (٥١).

(٤٨) خروج ٢٥: ١٠؛ ١٦.

(٤٩) التثنية: ٣٤.

(٥٠) سفر يشوع: ٩.

(٥١) ٨: ٩.

وأخيراً فإن التوراة تعين لنا على لسان موسى عليه السلام قبل موته. مضمون التوراة، بأنه عبارة عن الوصايا العشر، وهي فقط ما كتب في اللوحين:

« ودعا موسى جميع إسرائيل وقال لهم إسمع يا إسرائيل الفرائض والأحكام التي أتكلم بها في مسامعكم اليوم وتعلموها واحترزوا لتعملوها فقال أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً.. لا تطق باسم الرب إلهك باطلاً.. لا تقتل، ولا تزن، ولا تسرق، ولا تشهد على قريبك زور، ولا تشته إمرأة قريبك، ولا تشته بيت قريبك ولا حقله ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا كل ما لقريبك، هذه الكلمات كلم بها الرب كل جماعتكم في الجبل من وسط النار والسحاب والضباب وصوت عظيم ولم يزد وكتبها على لوحين من حجر وأعططاني إياها » (٥٢).

كل هذا يرجح إن لم يكن يؤكد أن التوراة التي كتبها موسى في اللوحين لا تعلو أن تكون الوصايا العشر، وهذا هو ما يتفق مع العقل، ومع النصوص التي أوردناها من التوراة نفسها، خصوصاً إذا علمنا أن « سفر » تعني في اللغة العبرية ورقة أو صحيفة، أما هذا الحشد أو التضخم الذي عليه التوراة الآن إنما هو من فعل بشرى.

٢ - فقد التوراة أو انقطاع السند:

فإنه فضلاً عما أشرنا إليه من استيلاء الفلسطينيين على التابوت المقدس، فإن المعبد الذي بناه سليمان عليه السلام ووضع فيه تابوت الرب الذي لم يكن به سوى اللوحين، تعرض للنهب والتدمير مرتين بعد سليمان.

كانت المرة الأولى على يد المصريين في عهد رحبعام بن سليمان، يقول سفر الملوك الأول [ ١٤: ٢٥ ]: « وفي السنة الخامسة لملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وأخذ خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك وأخذ كل شئ وأخذ جميع أتراس الذهب التي عملها سليمان ».

والدليل على فقد التوراة في هذا التدمير، أنه لم يرد عنها ذكر حتى أعلن الكاهن حلفيا في عهد الملك « يوشيا بن أمون » الذي ملك دولة يهوذا ٦٢٩ -

(٥٢) التثنية ٥: ١ - ٢٢.

٥٩٨ ق م في الفترة التي كانت تلفظ فيه أنفاسها الأخيرة، بسبب ما كانت فيه من إلحاد وزندقة، أنه وجد التوراة، وهذا الإعلان من حلفيا معناه أنها كانت مفقودة، والباحثون يشكون في صدق حلفيا، لأنه لا يعقل أن تكون التوراة موجودة في أورشليم كل هذا الوقت دون أن يعثر عليها أحد قبله، ولهذا فهم يرون أن هذه التوراة من وضع حلفيا نفسه، إعتمد في كتابتها على الأساطير والقصص التي كان يرددها الإسرائيليون وشيوخهم، أما التوراة التي نزلت على موسى فإنه لم يبق منها سوى الوصايا العشر، والذي ساعد على بقاء تلك الوصايا سهولة حفظها وتناقلها شفاها بين الأجيال (٥٣).

أما التدمير الثاني، فكان على يد بختنصر الذي دمر الهيكل تدميراً تاماً وأحرق أورشليم بكاملها، وهو التدمير الذي لم تقم لليهود بعده قائمة وهذا هو وصف سفر أخبار الأيام الثاني ٣٦: ١١ - ٢٠ لما حدث: « وملك - أي نبوخذ ناصر ملك بابل - صدقيا على يهوذا وأورشليم، كان صدقياً ابن إحدى وعشرين سنة حين ملك.. وعمل الشر في عيني الرب إلهه ولم يتواضع أمام إرميا النبي من فم الرب، وتمرد أيضاً على الملم نبوخذ ناصر.. حتى أن جميع رؤساء الكهنة والشعب أكثروا الخيانة حسب كل رجاسات الأمم ونجسوا بيت الرب الذي قدسه في أورشليم.. فكانوا يهزءون برسل الله ورذلوا كلامه، وتهاونوا بأنبيائه حتى ثار غضب الرب.. فأصعد عليهم ملك الكادانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم ولم يشفق على فني أو عذراء ولا على شيخ أو أشيب، بل دفع الجميع بيده وجمع آنية بيت الله الكبيرة والصغيرة وخزائن بيت الرب وخزائن الملك ورؤسائه أقى بها جميعاً إلى بابل وأحرقوا بيت الله وهدموا سور أورشليم وأحرقوا جميع قصورها بالنار فكانوا له ولبنيه عييداً ».

٣ - العهد القديم من اختيار الأحبار:

فهذه الأسفار التي يحتويها العهد القديم بصورتها الراهنة، اختارها الأحبار بعد الأسر البابلي من بين عدد هائل من الكتب المتعارضة والتي كانت كلها تنسب إلى موسى وأنبياء بني إسرائيل، فقد حدث بعد تدمير دولتهم في فلسطين، وتفرق من نجا منهم من بطش بختنصر في أنحاء متفرقة أن خشى أحبار اليهود وزعماؤهم من ضياع الإسرائيليين كشعب وذوبانهم في الشعوب التي لجأوا إليها، فعقدوا

(٥٣) مقارنة الأديان - اليهودية ص ١١٢ وما بعدها.

مجمعاً لهم بالاسكندرية سنة ١٣٠ ق م قام مجمع ما توفر له من التراث الديني وقنوه دون تمحيص ثم ترجموه إلى اللغة اليونانية، للمحافظة على تاريخ اليهود ووحدتهم، ولكن الصلوقيين والسامريين لم يعترفوا مما أقره المجمع سوى بالأسفار الخمسة، التي نسبت إلى موسى، ثم عقد مجمع آخر بفلسطين سنة ٩٥ بعد الميلاد تقريباً لمراجعة التراث الذي جمعه مجمع الاسكندرية وتقنيته، ولكن المجمع انشق على نفسه فقد رفض الفريسيون أي نص باللغة اليونانية، ولم يعتبروا مقدساً سوى الأسفار المكتوبة باللغة العبرية، أما أحبار الاسكندرية، فقد قبلوا كثيراً من الأسفار التي لم يقبلها الفريسيون وأضافوه إلى الأسفار المقدسة، وبهذا أصبح لدى اليهود نسختان مختلفتان من الكتاب المقدس، فضلاً عن أن كثيراً من اليهود لم يعترفوا من كل هذا سوى بأسفار موسى الخمسة، كما أن الأحبار الذين اعتمدوا الأسفار المقدسة، لم يكونوا فوق مستوى الشبهات، ولم يكونوا كفعاً لمثل هذا العمل الخطير، فقد كان من بينهم كما يقول اسبنوزا، « كفرة فاسقون وصلوا إلى منصب الحبروية بوسائل إجرامية، وكان لهم مع ذلك طبقاً لوصايا الكتاب سلطة مطلقة في تفسير الشريعة » (٤) ويعضد تلك الشهادة لاسبنوزا ما عرضناه عن أخلاق اليهود.

٤ - النقد الموضوعي للمتن

وإذا نظرنا إلى نصوص التوراة نفسها، اتضح لنا بما لا يدع مجالاً للشك أنها من وضع بشرى أو اختلط فيها كلام الوحي بكلام البشر، فأي قارئ لها سيدرك من أول وهلة أنها لا يمكن إلا أن تكون مملاة بروح إنسانية وأنها لا يمكن أن تكون من إملاء إلهي، أو أنها على الأقل قد أصابها تحريف شديد يخرجها عن أن تكون وثيقة مقدسة يعتمد عليها كوحي منزل من الله.

وإليكم بعض الملاحظات التي يتضح منها هذا القول:

    • لا تتحدث التوراة عن موسى بضمير الغائب فحسب، وإنما تعطي عنه شهادات عديدة مثل: « كتب موسى هذه التوراة - تحدث الله مع موسى - كان الله مع موسى وجهاً لوجه - وكان موسى رجلاً حليماً جداً أكثر من جميع الناس - فسخط موسى على وكلاء الجيش - مرسى رجل الله - فمات موسى عبد الرب في أرض مؤاب ولم يعرف

(٥٤) رسالة في السياسة واللاهوت ص ٢٦٢، وانظر هامش ٢ ص ٣٥.

إنسان قبره إلى هذا اليوم - ولم يقم بعد نبى في بنى إسرائيل مثل موسى.. « (٥٥) »

يتضح من هذا الأسلوب أن موسى لم يكتب هذا الكلام بل كتبه شخص آخر متأخر عنه بزمن طويل قد يصل إلى عصر عيسى عليه السلام، إذ أن الحكم بأنه لم يأت بعد نبى في بنى إسرائيل مثل موسى، لا يتأتى إلا لشخص يستعرض تاريخ بنى إسرائيل إلى نهايته، ولا سيما أنه يقول عن موسى: ولم يعرف أحد قبره إلى يومنا هذا. فمن كان قريب العهد بموت موسى لا يقول هذا الكلام.

  • المبالغة الشديدة التي تتنافى مع السنن الطبيعية، فقد جاء مثلاً في سفر التكوين ٤٦: ٢٦ « جميع نفوس بنى يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعون » بينما يذكر سفر العدد أن عدد الإسرائيليين كان بعد خروجهم من مصر مباشرة أكثر من الخمس مليون نسمة، فقد جاء في الإصحاح ١: ٤٤ - ٤٨ « فكان جميع المعدودين من بنى إسرائيل حسب بيوت آبائهم من ابن عشرين سنة فصاعداً.. كان جميع المعدودين ست مئة ألف وثلاثة آلاف وخمس مئة وخمسين، وأما اللاويون حسب سبط آبائهم فلم يعدو بينهم » أما « جميع المعدودين من اللاويين الذين عدهم موسى وهارون حسب قول الرب بعشائرهم كل ذكر من ابن شهر فصاعداً اثنان وعشرون ألفاً » (٥٦).

ومعنى هذا أن الإسرائيليين تكاثر عددهم في قرنين من الزمن من سبعين فرداً إلى أكثر من خمسة ملايين نسمة، أى أنه تضاعف عددهم أكثر من سبعين ألف مرة في مدة لا تزيد عن قرنين، وهذا أمر لا يمكن تصوره ولا يتفق مع السنن الطبيعية، إذا علمنا أن عدد الهود الآن وبعد مرور الثلاثة آلاف سنة تقريباً من خروجهم من مصر لم يبلغ ضعف هذا العدد.

  • يكفى أن نعرض مقارنة بسيطة بين القرآن الكريم وأسفار الهود في مجال الحديث عن الأنبياء والرسل، لندرك الفرق الشاسع بين لغة

(٥٥) سفر التشية ١٣، ٣١، ٣٤ - وسفر العدد ١٢، ١٣.

(٥٦) سفر العدد ٣: ٣٩.

الوحى ولغة البشر التى تتناقض مع كل القيم والمثل الإلهية: فمثلاً بينها يقول القرآن الكريم عن هارون عليه السلام:

﴿ وَلَقَدْ مَنَّا عَلَى مُوسَى وَهُزُونَ ﴾

وَتُجِينَتُهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿١٥﴾ وَنَصَرَ نَنْهُمْ فَكَانُوا هُمُ

الْغَلَيْيِنَ ﴿١٦﴾ وَءَاتَيْنَتُهُمَا الْكِتَابَ الْمُسَيِّينَ ﴿١٧﴾ وَهَدَيْنَتُهُمَا الصَّرَاطَ

الْمُسَتَقِيمَ ﴿١٨﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ ﴿١٩﴾ سَلَّمَ عَلَى مُوسَى وَهُزُونَ ﴿٢٠﴾

إِنَّا كَذَلِكَ نُجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٢١﴾ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٢﴾

نجد التوراة التى تعترف بهارون نبياً، تجعل منه رجلاً وثنياً يصنع بيديه لهم الأوثان ويشترط معهم في عبادتها كما سبق ذكره، أى تناقض أكثر من هذا؟!

وبينها يقول القرآن الكريم عن داود عليه السلام:

﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِيِّ إِنَّهُ رَأَوَابٌ ﴾ إِنَّا سَخْرَنَا

الْجَبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴿٢٣﴾ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةٌ كُلَّ لَهُ رَ

أَوَّابٌ ﴿٢٤﴾ وَشَدَّدْنَا مُلْكَهُ رَءَاتَيْنَتُهُ الْحِكْمَةَ وَفَصَلَ الْخِطَابِ ﴿٢٥﴾

تجعل أسفارهم التى تعترف به نبياً رجلاً دفئ النفس فاسقاً، يقول سفر صموئيل الثاني ١١: ٢ - « وأما داود فأقام في أورشليم وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت

(٥٧) الصافات: ١١٤ - ١٢٢.

(٥٨) ص: ١٧ - ٢٠.

الملك، فرأى من على السطح إمرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر.. فأرسل داود رسلاً وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها.. وحبلت منه »، ثم يحكى السفر كيف أن داود توغل في الإثم فعمد إلى قتل زوج المرأة خيانة وغدراً لأجل أن يضمها إلى حريمه، ثم أنجبت له سليمان عليه السلام.

أما سليمان عليه السلام الذي يقول القرآن عنه:

﴿ وَوَهَبَالِدَاوُودَ سَلِيمَنْ نَعَمْ الْعَبْدُ إِنَّهُ رَأَوْابٌ ﴾ (٩)

نجد أسفارهم تجعل منه رجلاً فاسقاً ملحداً لا هم له إلا الانغماس في الشهوات وتجعل من بيته مباءة للفسق والفجور والإلحاد، يقول سفر الملوك الأول ١١: ١ - ٦ « وأحب سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون من الأمم الذين قال عنهم الرب لبنى إسرائيل: لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم لأنهم يميلون قلوبكم وراء آهتهم. فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة، وكانت له سبع مئة من النساء والسيدات وثلاث مئة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه وراء آهة أخرى ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إهه، فذهب سليمان وراء عشتروت آهة الصيدونين، وعمل سليمان الشر في عيني الرب ولم يتبع الرب تماماً ». وعليكم بأنفسكم أن تدركوا إلى أي حد أصاب التحريف كتب اليهود المقدسة.

شهادة سبنوزا:

وأخيراً فإن كثيراً من المؤرخين اليهود والمسيحيين والمسلمين متأكدون الآن أن التوراة التي بين أيدينا الآن ليست توراة موسى وإنما من وضع اليهود أنفسهم بعد موت موسى عليه السلام بقرون عديدة، واجتهاداتهم الآن تدور حول تحديد واضع هذه التوراة والوقت الذي كتبت فيه، ويكفينا من بين هؤلاء شهادة الفيلسوف اليهودي سبنوزا الذي عرف بعلمه وتدينه فهو من هذه الجهة غير متهم بالجهل أو التعصب، يقول سبنوزا بعد تقديم كثير من الأدلة والملاحظات على تحريف التوراة: « من هذه الملاحظات كلها يبدو واضحاً وضوح النهار أن موسى

(٥٩) ص: ٣٠.

لم يكتب الأسفار الخمسة بل كتبها شخص عاش بعد موسى بقرون عديدة «(٦٠).

ثم يستمر سبنوزا في نقد باقي الأسفار وينتهي إلى أن جميع الأسفار التي يحتويها العهد القديم، كتبها مؤرخ واحد أراد أن يروى تاريخ اليهود القديم منذ نشأتهم الأولى حتى تدمير أورشليم على يد بختنصر، فالمتصفح لهذه الأسفار من أولها إلى آخرها يتبين أنها تتسم بثلاث خصائص رئيسية:

  • وحدة الهدف والأسلوب في جميع الأسفار.
  • الربط فيما بينها بطريقة واحدة.
  • تأليفها بعد الحوادث المروية بقرون عديدة.
  • كل هذا يؤكد أن مؤرخاً واحداً هو الذي كتبها.

أما من يكون هذا المؤلف أو الكاتب؟ فإن سبنوزا يرجع أنه يكون « عزراً »، الذي عرف عنه عكوفه على دراسة الشريعة وإلمامه التام بالتراث الديني لليهود، كما أنه الذي تولى أمرهم بتفويض من قورش ملك الفرس بعد الأسر البابلي (٦١).

وأعتقد أنه بعد شهادة سبنوزا اليهودي، وما قدمنا، من أدلة وهي قليل بالنسبة لما قدمه المؤرخون والباحثون في هذا المجال، لم يبق لدينا ريب في تحريف الكتب المقدسة لليهود بشكل كامل، وإن كان قد بقي فيها شئ من كلمات الوحي فإنه لا يمكن تمييزها بيقين وبهذا يسقط الاعتماد عليها كوثائق دينية يعتد بها. بمعنى أنه لا يمكن اعتماداً على العقل تمييز الملة فيها عن النحلة أو الوحي من الرأي، إلا بالاعتماد على مصدر آخر وهو القرآن.

(٦٠) رسالة في اللاهوت والسياسة ص ٢٧٤.

(٦١) انظر رسالة في اللاهوت والسياسة الفصل الثامن ص ٢١٥ وما بعدها.