فرقهم
فرقهم
لقد مرت المسيحية كما سبق أن ذكرنا بأطوار عديدة، فتعددت فرقهم تبعاً لتطور اعتقاداتهم وما طرأ عليها من تبديل وتحريف، واختلاف حول طبيعة المسيح عليه السلام، فاندثر منها ما اندثر وباد ما باد حتى وصلت إلى شكلها الحالى.
ولما كانت الجماع الكنسية، هي في الواقع الواضع الحقيقي للدين المسيحي في صورته الراهنة، والذي يختلف كلية عما أتى به صاحب الدين عيسى عليه السلام. ولما كان أول مجمع وضع أسس العقيدة المسيحية هو مجمع ( نيقية ) سنة ٣٢٥ م، فسناخذ من هذا التاريخ فاصلاً بين عهدين في تاريخ الفرق.
فرق كانت قبله أو خرجت عليه، لكنها حوربت وطورد أصحابها حتى الموت، لأنها كانت تقول في المسيح قولاً قريباً من الحق، مثل:
١ - أصحاب بولس الشمشاطي، وكان بطريركا بأنطاكية قبل ظهور المسيحية، ثم اعتنق المسيحية، وكان يذهب قريباً مما ذهب إليه أريوس فيما بعد من أن عيسى عبدالله ورسوله، نبياً كأحد الأنبياء، خلقه الله في بطن أمه من غير ذكر، فهو إنسان كسائر البشر.
٢ - أصحاب أريوس، الذي كان قسيساً بالاسكندرية في عهد قسطنطين الأول أوائل القرن الرابع الميلادي تقريباً، وكان يذهب إلى القول بالتوحيد وأن عيسى عبد مخلوق لله.
٣ - وأصحاب مقدنيوس وكان بطريركاً في القسطنطينية بعد ظهور المسيحية في عهد قسطنطين الثاني.
ويذهب إلى أن عيسى عبد مخلوق، إنسان نبي كسائر الأنبياء، أرسله الله لهداية بني إسرائيل، وهو روح القدس وكلمة الله، والروح والكلمة مخلوقان لله (٤٨).
(٤٨) انظر الفصل في الملل والأهواء ٤٨/١.
وعلى أى حال فكل هذه الفرق وما يماثلها قد اندثر، ومن يؤمن بمثل قولهم لا يعد اليوم من المسيحيين، لأن العقيدة المسيحية قد استقرت على اعتقاد التثليث أو ألوهية عيسى. وتلك العقيدة يدين بها كل المسيحيين منذ مؤتمر نيقية سنة ٣٢٥ م، وحتى اليوم. واختلاف الفرق وتعددها الآن إنما يدور حول أمور جدلية في طبيعة المسيح، وأشهر تلك الفرق هي:
أولاً - الملكانية:
الذين يقول الشهرستاني عنهم: ( هم أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها )(٤٩)، وكان ذلك في القرن الخامس الميلادي.
تعاليمهم:
يذهبون إلى أن الله طبيعة مركبة من ثلاثة أشياء، أب، وإبن، وروح القدس، فهم أصحاب التثليث، ولعلهم المعنيين بقوله تعالى [ المائدة / ٨٣ ]:
﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَثَةً ﴾ (٤٩)
وقالوا إن عيسى إله تام وإنسان تام، وأن مريم قد ولدت هذا الإله الإنسان الذي يسمونه المسيح.
وقد أخذ بهذا الاعتقاد الكنيسة الغربية ( الكاثوليك ).
ثانياً: النسطورية:
نسبة إلى نسطور الذي كان بطريرك القسطنطينية سنة ٤٣١ م.
ويذهبون إلى مثل ما ذهب إليه الملكانية. إلا أنهم يقولون إن مريم لم تلد الإله وإنما ولدت الإنسان؛ لأن المخلوق لا يلد الخالق، فمريم ولدت إنساناً تقمصه اللاهوت بعد مولده.
ثالثاً: اليعقوبية:
نسبة إلى داعية مشهور اسمه يعقوب البرادعى.
(٤٩) الملل والنحل ١/ ٢٠٣.
قالوا: إن المسيح هو الله تعالى نفسه، تجسد في صورة إنسان، وأنه هو الذي صلب وقتل، وأن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان تماماً.
وعنهم أخبرنا القرآن الكريم في قوله تعالى [ المائدة/١٧ ]:
﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾
فالمسيح في نظرهم إله تام ولدته مريم ولذلك يطلقون عليها أم الله. وهذا المذهب أخذت به الكنيسة الشرقية ( الأرثوذكس ( ٥٠ ) )
(٥٠) الفصل في الملل ٤٨/١، الملل والنحل ٢٠٣/١ - ٢٠٧، ومقارنة الأديان - المسيحية ١٦٥ - ١٦٦.